موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

الى اليسار در

8
image_pdf

ونحن نعيش اصعب مراحل تاريخ وطننا ، حيث تتكالب قوى الشر بعصابات احزابها وقيادات لصوصها على سلخ وطننا واهلنا من كل ما تبقى لنا من وساءل الحياة الكريمة التي انتهكها مجرمو الإسلام السياسي وكل من اتى بهم وساعدهم على ترسيخ سياستهم الطائفية الهوجاء ومحاصصاتهم اللصوصية البائسة .

في هذا الظرف العصيب الذي تجتمع فيه عصابات القتل والغدر والإختطاف والملاحقات لتنال من شبابنا الثائر المنتفض .

في هذا الوقت بالذات نشاهد ونعيش تشتت القوى الوطنية الديمقراطية التي يجمعها هدف انتشال الوطن من براثن الحكم المتخلف الذي يمارسه الإسلام السياسي ، وتفرقها المواقف الشخصية البحتة التي جعلتها تتراشق مع بعضها البعض ، ساعية الى النبش في التاريخ علَّها تجد حول هذا او ذاك بعض ما يذكي جذوة الحقد الشخصي عبر تاريخ لم ينجو احد من حسابه ولم يفلح احد بسلوك كل سبله التي لا غبار عليها في هذا الحين او ذاك ، وتلك هي سنة العاملين من البشر.

وتكاد ظاهرة الإحتراب هذه ان تختص بالقوى العراقية الديمقراطية اليسارية التي يشكل الحزب الشيوعي العراقي احدى واجهاتها المهمة ، كما انه يشكل في نفس الوقت الهدف الأساسي لبعض الأصدقاء وحتى الرفاق الذين جعلوا من خلافاتهم الشخصية محطات توقف لشعارات واقوال وعلاقات وتصرفات قد يختلفون في تقييمهااليوم بعد ان كانت معجونة بظروف العمل السري او عمل المنافي المعقد ، في كثير من الأحيان بالأمس.

المفارقة التي تحزننا وتحزن كل من يسعى الى انقاذ وطننا واهلنا من السقوط في الهاوية التي يقودنا اليها ساسة الإسلام السياسي ، تتناول بشكل خاص الحملة التي يتعرض لها الحزب الشيوعي العراقي اليوم والتي يستهدف بعضها كيان الحزب لا سياسته من منطلق النقاش العلمي الموضوعي والنقد البناء المفضي إلى متابعة المسيرة الوطنية التي تشكل الأساس المبدئي لكل السياسات التي انطلق منها الحزب منذ تاسيسه قبل ست وثمانين عاماً وحتى يومنا هذا .

وحينما اقول هنا بعض النقاشات التي تستهدف كيان الحزب لا سياسته ، فإنني اعني تماماً ما اقول لأميز بكل وضوح بين تلك النقاشات التي انطلقت من مواقع رفاقية او صديقة تجسمت فيها مشاعر وتوجهات الحرص على الحزب وعلى كيانه ومجمل مسيرته ، حيث تجسدت في هذه النقاشات وقبل كل شيئ الدعوة الى ممارسة النقد البناء لسياسة الحزب والمساهمة الجدية بذلك هنا وهناك ، دون المساس بوحدته وكيانه وتاريخه الوطني .

ومن هذا المنطلق اجد تفسي ، كمساهم في الحركة الوطنية العراقية وتبني الفكر الشيوعي لأكثر من ستين عاماً من ثمانين عمري الذي سوف لن ينتهي دون ان يظل مرتبطاً بهذا الفكر، ان اكون في صف اولئك الذين لا يسمح لهم تاريخهم السياسي ومساهماتهم في بعض سياسة هذا الحزب العتيد ان يتعرض هذا التاريخ المجيد بكل انتصاراته وانتكاساته الى الأحاديث التي يطلقها البعض والتي تحولت في معظمها الى مواقف ومواقع شخصية عدائية شامتة او مستهزءة ، خاصة تلك التي تنطلق من صالونات المقاهي لا من ميادين النضال الوطني.

حينما نناقش سياسة الحزب الشيوعي العراقي في اية مرحلة من مراحل نشاطه السري والعلني ، في الداخل وفي المنفى ، طيلة الست وثمانين سنة الماضية ، فسوف لن نجد حزباً سياسياً عراقياً احرز من تجارب وتقلبات العمل السياسي ومن الخبرة والمعرفة اكثر من هذا الحزب .

وسوف لن نجد حزباً سياسياً عراقياً حاول توظيف هذه الخِبر والتجارب في سياق العمل المنطلق من الوطن اولاً واخيراً وليس من اجندة حزبية او مصالح فئوية او توجهات لا تشكل المطالب الجماهيرية الآنية في كل مرحلة من مراحل النضال الوطني .

وهذا يعني بالضبط ان الإنطلاقة الوطنية البحتة والمصالح الجماهيرية الآنية هي التي فرضت على الحزب اتخاذ هذا الموقف او ذاك سواءً تعلق ذلك بالعمل مع القوى السياسية الأخرى او بالتعامل مع الحكومات العراقية المختلفة التي وجد بعضها في الحزب الشيوعي عدوها اللدود فسعت الى اعلان الحرب الشعواء عليه ، او تلك التي تهادنت مع الحزب لفترة ما بغية الإجهاض عليه مؤخراً لشل عمله وتدمير تنظيماته.

في كل هذه المراحل لم يتوان الحزب الشيوعي العراقي عن اقتناص اية فرصة يستطيع من خلالها التوجه نحو الإقتراب من تحقيق شعار الوطن الحر والشعب السعيد ، حتى وإن اقترن هذا الإقتراب من بعض الإفتراضات والتكهنات التي تجعل من هذا الطريق مفضياً إلى غير الوجهة التي يتبناها الحزب.

فالتوجه الوطني النقي الذي لا تشوبه شائبة المصالح الحزبية او العلاقات الشخصية هو الذي حدد المسيرة الحزبية التي لم يأت بعضها بتلك النتائج التي كان يتوخاها الحزب ، والتي لم تكن بالتأكيد خالية ايضاً من بعض الهفوات التي رافقت العمل الصعب المعقد في الظروف الصعبة المعقدة ، وهذا هو ديدن من يعمل دوماً.

فكيف يمكننا تفسير الفشل هنا او هناك والذي كلف الحزب كثيراً وعلى مختلف الأصعدة ، والذي يحاول البعض استغلاله اليوم بالرغم من احتمال مساهمتهم به بالأمس ؟ هل نعتبر محاولات تقييم الفرص السياسية التي تصب في دفع المسيرة الوطنية الى ما يصبو اليه الشعب وما اردنا تحقيقه للوطن ، رغم تغيير وجهة المسيرة التي لم تساعدنا على تحقيق كل ما اردناه للوطن والشعب ، خطأً كان من المفروض اجتنابه ؟ إن مثل هذا الرأي سيعني ان نتعامل مع العملية السياسية في وطننا معاملة الحذِر المتردد الذي ينتظر الضمانات الأكيدة لنجاح العمل الذي يقدم عليه ، خوفاً من الوقوع في الخطأ .

وهذا ليس من نهج الشيوعيين ولا من شيمهم . اي اننا نحاول بمثل هذه المواقف ان نتصدى لإبطال المقولة التي تشير إلى ان الوحيد الذي لا يخطاً هو ذلك الذي لا يعمل ” مَن لا يعمل لا يخطأ ” وبطلانها ، فهل ان ذلك جائز في العمل السياسي وعلى ساحة سياسية معقدة كالساحة السياسية العراقية ؟

لقد مارس الحزب الشيوعي العراقي العمل النضالي على كل ساحات النضال الوطني التي تصدرها لعقود من الزمن وقدم آلاف الضحايا من اجل ذلك. مارس النضال المُشَرِف الذي يفخر به كل من ساهم ، حتى ولو بخطوة واحدة ، في تلك المسيرة الوطنية الشجاعة .

وهنا تبرز اهمية المواقف التي يتخذها بعض المساهمين في هذه المسيرة الذين يتعرضون اليوم، للأسف الشديد ، لتاريخهم بالذات حينما يحاولون تحويل النقد البناء الذي يرحب به الحزب ولا يخشاه ، إلى عداء اشخاص مغموساً بالنهج الذي يسيئ الى سمعة الحزب ككل ونضاله وتاريخه بين الجماهير الشعبية ، خاصة تلك الجماهير التي لم تزل متأثرة باطروحات النهج الرجعي المتخلف الذي يحمل عداءً تاريخياً للحزب الشيوعي العراقي ونهجه الوطني المتميز .

لقد تبنى الحزب الشيوعي العراقي ، خاصة في مؤتمراته الأخيرة ، السياسة التي تجلى فيها عرض مجمل وثائق سياسته المستقبلية تحت تصرف الجماهير لمناقشتها على العلن وابداء الرأي في محتوياتها لعرضها على مؤتمراته بالصيغة التي تأخذ هذه المناقشات ، او جلها ، بنظر الإعتبار .

الحزب الذي لم يجاريه حزب سياسي آخر في تاريخ العراق السياسي الحديث بالتطرق الى ممارساته السياسية في مختلف مراحل عمله وتقييمها استناداً الى التطور الذي مرت وتمر به الساحة السياسية واستخراج العبر السلبية والإيجابية منها .

الحزب الذي لم يتخل عن الشارع العراقي وعن جماهيره في احلك الظروف التي مرَّبها وطننا سواءً اثناء تسلط الدكتاتوريات السياسية او التكتلات الطائفية التي جاء بها الإحتلال لوطننا بعد سقوط البعثفاشية المقيتة .

الحزب الذ ظل يواجه كل صيغ العداء الذي مورس ضده ، سواءً بالفتاوى الدينية المُجحفة او بتأليب بعض دعاة المنابر الذين لم يخجلوا من استغلال المناسبات الدينية التي يحترمها شعبنا للنيل من الحزب الشيوعي العراقي ، اقوى واصلب المدافعين عن حقوق الفقراء والمظلومين والمضطهدين منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا .

الحزب الذي واكب التطور العالمي الذي خاضه ويخوضه الفكر الإشتراكي التقدمي بكل ما تمخض عن هذا التطور من التراكمات التي لابد وان تقود الى التغيير النوعي في العمل الذي يخوضه الحزب الشيوعي العراقي والذي تجلى بصورة لا تقبل الشك في المؤتمر العاشر للحزب وكل ما تمخض عنه من سياسات يومية ومرحلية.

الحزب الذي لم يضع غير الوطن والشعب كأساس وحيد لكل ما يتبناه من سياسات تفرضها ظروف المرحلة التي يمر بها . والكثير الكثير مما خاضه هذا الحزب الشيوعي العريق يتعرض ، بطبيعة الحال ، الى مواقف قد لا تتفق نتائجها مع ما كان يصبو ويخطط له . ولذلك اسباب عدة لا يمكن حصرها بتطور المرحلة السياسية فقط ، بل وبكثير من العوامل الذاتية والموضوعية والمتعلقة بميادين النضال التي يتعامل معها الحزب في المراحل المختلفة من عمله السياسي .

إذ ان اي مواكب لتطور العمل الجماهيري في وطننا لا يمكنه ان ينكر العوامل الإجتماعية المؤثرة على طبيعة العمل بين الجماهير التي تعاني منذ عقود كثيرة من مختلف وساءل القمع والتخلف والمرض والفقر والجهل ونشر ثقافات التعصب بمختلف اشكاله الطائفية والقومية والعشائرية والمناطقية ، إضافة الى بروز ظاهرة الإبتعاد عن العمل السياسي او الحزبي ،وحتى الإحجام عن المشاركة بالنضال من اجل المطالب اليومية الخدمية للناس ، كل ذلك جعل من العمل السياسي مشوباً بمشاكل وصعوبات جمة لا يمكن لأي حزب مهما بلغت قوته واتسعت جماهيريته ان يخوض النضال السياسي الجماهيري بمفرده لتجاوزها .

وعلى هذا الأساس كانت المحاولات التي بدأ بها التيار المدني الديمقراطي بكل تجمعاته في صيف عام 2015 والذي صاغها على شكل مظاهرات واحتجاجات ارعبت لصوص الإسلام السياسي الحاكمة، وهدت مضاجعهم حتى انهم لجأوا في كثير من الحالات الى القمع المسلح للمتظاهرين او اختطاف واعتقال بعضهم .

لقد كانت هذه المحاولات التي ساهم بها الحزب الشيوعي العراقي بكثافة لا يمكن نكرانها ، الطريق السليم لتجمع الجماهير للمطالبة بحقوقها ، وبمرور الزمن استجابت جماهير اخرى لهذه المحاولات التي شكلت بالتالي حركة احتجاجية يُحسب لها حساب توجتها ثورة تشرين الشبابية المتأججة حتى يومنا هذا .

ثورة تشرين التي ساهمت فيها جماهير الحزب الشيوعي العراقي منذ إنطلاقتها في الأول من اكتوبر من العام الماضي ، بالرغم من الموقف الذي شابه الشك من قِبَل قيادة الحزب والذي صححته جماهيره قبل ان يمر عليه يوم واحد .

وما ذلك إلا مفخرة للحزب نفسه الذي استطاع ان يضم اعضاءً ومؤيدين بمجسات وطنية حساسة يتخذون مواقفهم النضالية على اساسها .

إن ما يؤلم حقاً ليس ما يطرحه المناوئون اصلاً للحزب بوجوده كقوة سياسية تتصدر اليسار العراقي لمواجهة الفكر المتخلف المتاجر بالدين تارة وبالقومية الشوفينية تارة اخرى وبالعشائرية من جانب والمناطقية من جانب آخر ، والذي مهد للسياسة الحمقاء التي مارسها خلفاء البعثفاشية المقيتة ولإنتشار المنظمات الإرهابية على اراضي وطننا وممارستها القتل والإختطاف والتهجير لأهلنا في مناطق مختلفة من وطننا .

لا ليس هذا ما يؤلم من خلال تعرض الحزب الشيوعي العراقي لحملات هؤلاء ولا لمنابرهم التي سخروها للحث على قتل الشيوعيين كامتداد لفتاوى من سبقوهم من رواد الفتنة الطائفية والسياسية معاً .

إن ما يؤلم حقاً هو ان يتجه بعض الرفاق والأصدقاء الذين لم يزالوا يحتفظون بمواقعهم في صفوف اليسار العراقي ليشكلوا جبهة عداء للحزب الشيوعي العراقي متخذين من بعض المواقف والعلاقات الشخصية التي لا يتفقون بشأنها مع سياسة الحزب في الوقت الحاضر تبريراً يتيح لهم الإستمرار في تبني مثل هذه المواقف العدائية الشامتة ، بالرغم من استمرارية الغموض والتعقيد الذي ينتاب الساحة السياسية العراقية التي استولى عليها ساسة المحاصصات ولصوص خيرات الوطن .

هذه الساحة التي هي بامس الحاجة اليوم الى كل جهد وطني يقارع سياسة المحاصصات وفرسانها .

إن الموقف الوطني الصادق الآن وفي خضم هذه الظروف السياسية البالغة الصعوبة يتجلى من خلال عدم النظر إلى الأشخاص او الى سياسة مرحلية معينة او موقف بالذات يتخذه الحزب الشيوعي العراقي ، بل بالنظر الى التاريخ النضالي لهذا الحزب الذي تدور عليه الدوائر من كل حدب وصوب والذي ينتظر اسناد وتأييد الرفاق والأصدقاء مع الإحتفاظ بحق النقد والمعارضة وتصحيح المواقف بالشكل الذي لا يجوز ان يرى فيه اعداء الحزب وكأنه حملة عداء يهللون لها في محافلهم التي لا تتوانى عن جعل هذه الحملة ذات ابعاد يريدون من وراءها إضعاف العمل الجماهيري للحزب وتحجيم قابلياته التنظيمية وبالتالي الإجهاض على دوره السياسي ومن ثم الإجهاض على كل الحركة الوطنية واليسارية ، وهذا ما علمنا إياه التاريخ.

إنها دعوة مخلصة لكل اليسار العراقي بان يعي خطورة المرحلة التي يمر بها هذا اليسار وما يبيت له دعاة المنابر وببغاوات الفتاوى التي تتناول اليوم الشيوعيين تحت مسميات مختلفة كالعلمانيين والملحدين والمدنيين وغيرها لتجعل من حملتها هذه بداية الإجهاض على كل فصاءل الفكر التنويري اليساري الذي يتصدى لحساباتهم ومخططاتهم التي لا تصب في مصلحة اهلنا ووطنا باية حال من الأحوال ، وما اعربوا عنه من اجندات وارتباطات مع قوى اقليمية ودولية يشير الى ذلك بكل وضوح .

لا احد يقف ضد النقد البناء ومحاولة التقويم في هذا الموقف او ذاك ، وهذا ينعكس بالتأكيد على الحزب الشيوعي العراقي ايضاً ، إلا ان هذا النقد ينبغي له ان ينبثق من الحرص والإخلاص للقضية الوطنية والمفضي الى تحقيق آمال وطننا وشعبنا في الحرية والسعادة.

بعيداً عن المناوشات الشخصية والعلاقات الفردية .
النقد مشروع حتى خارج التنظيم ،إلا ان المهم عكس وحدة الحركة اليسارية العراقية وتثبيت اطروحاتها كبديل عن اطروحات التخلف المعادية للدولة المدنية الديمقراطية التي ينشدها الحزب الشيوعي العراقي وكل الرفاق والأصدقاء خارج الحزب ايضاً .

هذا الهدف المشترك ، وليس غيره يجب ان يشكل جوهر عمل الديمقراطيين العراقيين كافة ويحدد وجهة المسيرة الآنية والمستقبلية .

 

بقلم : صادق إطيمش عبر : الحوار المتمدن

image_pdf
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.