موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

أردوغان .. ديكتاتورية وسياسات خاطئة وفساد عائلي

225
image_pdf

تأسس حزب العدالة والتنمية على بقايا حزب الرفاه والفضيلة ذي التوجه الإسلامي في تركيا العلمانية الأتاتوركية، ووصل رجب طيب أردوغان إلى السلطة بفضل عدد من  الأشخاص و الذين لعبوا دوراً كبيراً في صعوده، ولكنه سرعان ما أقصاهم وتخلص منهم ليبسط سيطرته على البلاد، وأجرى تغييرات في الدستور لتحويل النظام من برلماني إلى رئاسي من أجل تحويل تركيا إلى دولة الرجل الواحد الديكتاتوري.

أردوغان .. الوصول إلى سدة الحكم  والإطاحة بالحلفاء

أعلن زعيم حزب العدالة والتنمية التركي رجب طيب أردوغان، إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة في 24 حزيران/يونيو الجاري، أي قبل حوالي عام و5 أشهر من موعدها المحدد في تشرين الثاني 2019. وعلى الرغم من أن أردوغان يتذرع بأن التبكير جاء من أجل حماية الاقتصاد والبلاد إلا أن أفعاله تشير إلى محاولته تحويل تركيا إلى دولة الرجل الواحد بعد أن أجرى تغييرات في الدستور تركز السلطة في شخص رئيس الدولة وتلغي البرلمان.

من هو رجب طيب أردوغان؟

ولد رجب طيب أردوغان في 26 شباط/فبراير عام 1954، في حي قاسم باشا في إسطنبول. لعائلة تتألف من أربعة أفراد، بينهم فتاة. درس في مدارس “إمام خطيب” الإسلامية في إسطنبول، وعمل خلال فترة دراسته في بيع المياه والحلوى. وبدأ دراسته للاقتصاد في جامعة مرمرة عام 1977، وتخرج منها عام 1981.

بدأ أردوغان الحياة السياسية عام 1973 من خلال الالتحاق باتحاد الطلبة الأتراك القومي “ذي الخلفية الإسلامية المحافظة”. وعند بلوغه سن الـ18، انضم إلى حزب السلامة القومي (حزب الفضيلة والرفاه) الذي أسسه نجم الدين أربكان. لكن مع الانقلاب العسكري الذي حصل عام 1980، تم إلغاء جميع الأحزاب، وبحلول عام 1983 عادت الحياة الحزبية إلى تركيا وعاد نشاط أردوغان من خلال حزب الرفاه، خاصةً في محافظة إسطنبول.

وفي عام 1998 اتُّهِمَ أردوغان بالتحريض على الكراهية الدينية وتم إيقافه من منصبه كرئيس لبلدية اسطنبول وحكم عليه بالسجن لمدة 10 أشهر بسبب اقتباسه أبياتاً من شعر تركي أثناء إلقائه خطاباً في مدينة سعرد قال فيه “مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا، هذا الجيش المقدس يحرس ديننا”. إذ تعتبر نظرة أردوغان ذات خلفية صوفية نقشبنديّة.

تأسيسه لحزب العدالة والتنمية

بعد حظر حزب الفضيلة ذي التوجه الإسلامي الذي تزعمه نجم الدين أربكان، انشق أردوغان وعدد من أعضاء الحزب بينهم عبد الله غل، وأسسوا معاً حزب العدالة والتنمية عام 2001. ومنذ البداية أراد أردوغان أن يدفع عن نفسه أي شبهة باستمرار الصلة الحزبية والفكرية مع التيار الإسلامي الذي أغضب المؤسسات العلمانية مرات عدة. فأعلن أن حزبه سيحافظ على أسس النظام الجمهوري ولن يدخل في مماحكات مع القوات المسلحة التركية.

وفاز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية التي جرت في تشرين الثاني 2002 لكن أردوغان لم يتمكن من تولي رئاسة الوزراء لإعلان المجلس الانتخابي الأعلى عدم أهلية انتخابه قبل شهرين من ذلك. لذا طلب من عبد الله غل ذراعه اليمنى تولي المنصب حتى يتسنى له تنظيم انتخابه شخصياً أثناء انتخابات تشريعية جزئية تمكن من الترشح إليها بفضل تعديلات أقرها البرلمان الذي يهيمن عليه حزب العدالة والتنمية. وأصبح رئيساً للحكومة في 11 آذار 2003 واستمر به حتى عام 2014 عندما تم انتخابه رئيساً للجمهورية.

من له الفضل في وصول أردوغان إلى سدة الحكم

ما كان لأردوغان أن يصل إلى سدة الحكم لولا 4 أشخاص، أبعدهم أردوغان تباعاً ليتفرد في حكم تركيا، ويصبح ديكتاتورها الأول.

وأول هؤلاء هو نجم الدين أربكان الذي انشق أردوغان عن حزبه، إذ اعتبر أردوغان نفسه تلميذاً لأربكان، واستند إلى ذلك في الدعاية لنفسه خلال الانتخابات التشريعية التي أجريت عام 2002 وكانت ذات تأثير في حصول حزبه على أعلى الأصوات.

واعترف نجم الدين أربكان في مؤتمر بمدينة آمد بأن أردوغان كان تلميذه، إذ قال “تحول أردوغان إلى أمين صندوق الصهيونية. كان أحد طلابي. فقلت له ما عليه فعله، إلا أنه لم ينصت إليّ ولم ينفذ ما قلته له”، وفي مقابلة مع التلفزيون الألماني قال أربكان: “إن إسرائيل هي من تنصح أردوغان بترديد أمور تستهدفها وتعاديها حتى ينجح في كسب تأييد وتعاطف الشعب التركي المحافظ المعارض لإسرائيل، وأنه منفذ تام لسياساتها، والمندوب الأمريكي في المنطقة”، واصفاً إياه بأنه “رئيس مشروع الشرق الأوسط الكبير”.

الشخص الثاني الذي كان له الفضل في وصول أردوغان إلى الحكم، هو عبد الله غل الصديق المقرب لأردوغان وشريكه في تأسيس حزب العدالة والتنمية. فحين وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة كان أردوغان ساعتها في السجن، نتيجة إلقائه قصيدة تحرض على الإرهاب، وظل غل رئيساً للوزراء حتى خرج أردوغان من السجن ليتولى بعدها حقيبة وزير الخارجية.

لكن كل هذا لم يمنع أردوغان من أن يطيح به رغم أنه كان أول من سانده، فالخلافات اندلعت بينهما بدايةً من عام 2013 عند اندلاع احتجاجات ميدان تقسيم الشهيرة المعترضة على سياسات أردوغان، ساعتها رأى عبد الله غل ضرورة التفاهم مع المتظاهرين، فيما كان رأي أردوغان هو قمعهم بالعنف وعدم احتوائهم، ومواقف أخرى تنافض فيها الاثنان، وعندما فاز أردوغان برئاسة الجمهورية تم إقصاء عبد الله غل وتهميشه، واستمرت الخلافات بينهما بعد ذلك، وعندما فرض أردوغان حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز 2016، انتقد عبد الله غل فرض حالة الطوارئ قائلاً: “هذا مرسوم يثير القلق على مستوى فهم حكم القانون ويهدد بتطورات في المستقبل قد تثير استياءنا جميعا”. وبعد أن أعلن أردوغان عن إجراء انتخابات مبكرة أرسل رئيس أركان جيشه خلوصي آكار إلى عبد الله غل ليمنعه من الترشح لرئاسة الجمهورية كمرشح عن المعارضين لأردوغان.

الشخص الثالث كان فتح الله كولن زعيم جماعة “الخدمة الصوفية”، الذي كان الداعم الأساسي لأردوغان، فلولاه لما تمكن أردوغان من الوصول إلى سدة الحكم. حيث لعب كولن دوراً خفياً في مساعدة أردوغان في أيامه الأولى في منصب رئيس الوزراء بعد خروجه من السجن، فبفضل جماعة كولن من المتصوفين الذين نجحوا في اختراق أجهزة الدولة في تركيا هدأت مخاوف أجهزة الدولة من الحزب المحافظ الجديد الذى وصل إلى السلطة، وكذلك كولن كان يمتلك قاعدة ضخمة من رجال الأعمال الذين قدموا دعماً قوياً لحزب العدالة والتنمية في بدايات صعوده إلى سدة الحكم.

لكن ومع مرور الوقت اكتشف كولن أن أردوغان ليس سوى ديكتاتور صغير، فبدأ بمهاجمته، متهماً إياه بأنه يسعى منذ عام 2011 لإقامة دولة الرجل الواحد الديكتاتورية كما هاجم تورطه في الفساد هو وعائلته، وهو الأمر الذي اضطر كولن إلى ترك تركيا بعد التضييق عليه، ومازال كولن مقيماً في بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية.

أما داوود أوغلو، فكان آخر شركاء أردوغان الذي تم طردهم، فداوود أوغلو، شغل منصب كبير مستشاري رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وقتها، ثم أسند إليه منصب سفير متجول في العام 2003، وفي عام 2009 أصبح وزيراً للخارجية حتى عام 2014، ثم أصبح رئيساً لحزب العدالة والتنمية ورئيساً لوزراء تركيا.

ونتيجةً لصعود داوود أوغلو القوي وخوفاً من أن ينقلب أوغلو على مسيرة أردوغان لتعديل الدستور ونقل السلطة القوي من منصب رئيس الوزراء إلى منصب الرئيس، أجبر أردوغان أوغلو على الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء قبل الفترة القانونية بـ6 أشهر، بحسب ما صرح به أوغلو.

وبعد استقالته، وفي ظهور نادر له بمعرض الكتاب في إسطنبول علق أوغلو على السياسة التركية قائلاً: “نحن نمر بمرحلة ضبابية في السياسات الخارجية والداخلية”، ملمحاً إلى حالة القمع السياسي التي يمثلها أردوغان بقوله: “تركيا في الفترة التي كانت فيها تمثل نموذجاً للحقوق والحريات، كانت قوية في سياساتها الخارجية”.

التحالف مع حزب الحركة القومية وتحويل النظام من برلماني إلى رئاسي

بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/يوليو 2016، اجتمع كل من أردوغان ودولت باهجلي زعيم الحركة القومية وكذلك كمال كليجدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري في ساحة يني كابي الواقعة في الشطر الأوروبي لمدينة اسطنبول بتاريخ 7 آب/أغسطس للتنديد بمحاولة الانقلاب، ومنذ ذلك الوقت بدأ دولت باهجلي بالتقرب من أردوغان ونجح مؤخراً في كسب أردوغان، ومرر الجانبان معاً التغييرات التي كان يرغب أردوغان إجراءها على الدستور من خلال تحويل النظام في البلاد من برلماني إلى رئاسي.

وخلال محاولة أردوغان تمرير مشروع قانون تغيير بعض بنود الدستور استطاع بفضل نواب حزب الحركة القومية من الحصول على مبتغاه، وفي نيسان/أبريل 2017 وفي ظل حالة الطوارئ التي أعلنها أردوغان بعد محاولة الانقلاب في تموز 2016، عرض أردوغان هذه التغييرات للاستفتاء، وبعد عمليات تلاعب وتزوير فاز أردوغان في الاستفتاء بهامش قليل جداً.

ومن جملة التعديلات المقترحة على البرلمان التركي تمديد مدة ولاية الرئيس لسبع سنوات بدلاً من خمس سنوات، إلغاء منصب رئيس الوزراء، إطلاق سلطة الرئيس في تعيين الوزراء مباشرة، السلطة العليا على القضاء، السلطة العليا على القوات المسلحة وقوات الأمن وأجهزة الاستخبارات بموجب حقه المطلق في فرض حالة الطوارئ دون الرجوع للبرلمان، بالإضافة إلى حق الرئيس تعيين نواب له دون الرجوع للبرلمان، أي تصبح الدولة دولة الرجل الواحد الدكتاتوري.

الدعوة إلى انتخابات مبكرة

إن إعلان تبكير الانتخابات يعني تقديمها عاماً و5 أشهر تقريباً، بعد أن كان مقرّراً إجراؤها في تشرين الثاني 2019؛ وذلك لسرعة تطبيق مواد الدستور التي جرى تعديلها بعد استفتاء نيسان 2017، الخاص بالانتقال إلى النظام الرئاسي كما يرغب أردوغان.

وفي الحقيقة فإن دعم دولت باهجلي لرجب طيب أردوغان في الانتخابات المبكرة التي أعلن عنها أردوغان، يعود إلى عدة أسباب، أهمها أن الإثنان يستخدمان الخطاب السياسي الشعبوي لكسب الجمهور وكلاهما يمثلان تطوراً طبيعياً للأفكار الراديكالية، فأردوغان يمثل النسخة الأكثر تشدداً للإسلام السياسي، فيما باهجلي يمثل الصورة الأشد إيلاماً للعلماني المصلحي.

والسبب الثاني، هو تأكل شعبية أردوغان وباهجلي بسبب سوء أداءهما السياسي وسعيهما لشخصنة الحزب وإلغاء التيارات المتعددة في الحزب وهذا ما يفسره الانشقاقات التي حدثت في هذين الحزبين، والثالث هو تقارب خط أردوغان مع الخط القومي لباهجلي في تكريس العنف ضد الكرد في تركيا، ودعم باهجلي لأردوغان في عدوانه على عفرين السورية.

ومن بين الأسباب الأخرى التي دفعت أردوغان وباهجلي للتقارب، هو تغاضي الإعلام الذي بات حكراً على حزب العدالة والتنمية في التطرق إلى قمع باهجلي للمناوئين له في حزب الحركة القومية، وأيضاً تغاضي باهجلي عن أسلمة أردوغان لمرافق الدولة وخصوصاً الجيش والقضاء، وعدم التفاف باهجلي إلى إعادة أردوغان بناء نظام تعليمي يحيد عن إرث العلمانية، ويقترب من خط التيار المحافظ. وهذا ما ظهر بشكل واضح عندما لم يعارض التوسع في إنشاء مدارس «إمام» الدينية، وإلغاء النصوص الدراسية التي تتناول سيرة أتاتورك.

إن الاتفاق بين أردوغان وباهجلي، منفعي لأبعد حدود، إذ يعرف أردوغان بأن شعبيته تآكلت وأنه لن يصل إلى رئاسة الجمهورية دون الحصول على أصوات حزب الحركة القومية، في حين يعرف باهجلي بأنه يمكن أن يحصل من خلال اتفاقه مع أردوغان على بعض المزايا الشخصية كأن يعينه أردوغان نائباً له.

المصدر : هاوار 

image_pdf
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.