موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

مغزى ملحمة جلجامش ” وموت أنكيدو “

2٬558
image_pdf

مغزى ملحمة كلكامش (وموت صديقه أنكيدو )تعد ملحمة كلكامش واحدة من شوامخ الأدب القديم ، فهي تحكي قصة كفاح رجل ضد الموت فطلب الخلود ورحل إلى نهاية العالم بحثا عنه .

وقد عالجت هذه الملحمة قضايا إنسانية عامة مثل مشكلة الحياة والموت والخلود ، ومثلت تمثيلا رائعا ومؤثرا ذلك الصراع الأزلي بين الموت والفناء المقدرين وبين إرادة الإنسان المغلوبة المقهورة في محاولتها للتشبث بالوجود والبقاء ، والسعي وراء وسيلة للخلود ، فهي تعلمنا أن نواجه الحقيقة . إنها قصة رجل أحب صديقه وفقده بالموت ، أدرك أن لا قوة لإعادته إلى الحياة ، فكان الخوف من الموت ، لأن مصير أنكيدو هو مصير كل البشرية، وبسبب كل هذا صرخ كلكامش متسائلا (هل سأموت هكذا ميتة أنكيدو؟) إنه تعبير لمعاناة رجل فرد ، ثم تصبح لها أهمية مأساوية تشمل عموم الإنسان ، وهي التي تجعل الملحمة من أروع ما قدمه الفكر الإنساني.

—————–موت أنيكدو ——————–

كان حلم أنكيدو مشؤوما ، فقد رأى الآلهة الأكثر أهمية مجتمعين في السماء وكان القرار (عقاب من أهان الإلهة عشتار) وعبر الإله أنليل عن رأيه بوضوح يجب أن يكون أنكيدو هو الضحية ، ويتألم كلكامش بل يحتج على قرار الآلهة الجائر ، ودموعه منهمرة ، كان الحكم مرعبا ، لأنه يبين أن البؤس يصيب في النهاية الرجل الصحيح .

ويمرض أنكيدو فيبدأ التفكير بقصته وهو مليء بالأحزان فيلعن المسبب فيواسيه الإله شمش قائلا بأن (كلكامش سيجعل أهل الوركاء يبكونك ، ويندبونك وستنال شرفا عظيما بعد موتك ، وإن كلكامش نفسه سينوح عليك ، ولا يقبل أي عزاء ، وثقل المرض على أنكيدو ولبث راقدا على فراش المرض ، وصار يبث أحزانه في تلك الليلة إلى صديقه ، إنه اعتراف بالخوف بما سيحدث :

يا صاحبي قد حلت بي اللعنة .
فلن أموت ميتة رجل سقط في ميدان الوغى .
فمن يسقط في القتال يا صديقي فإنه مبارك .

وبدأ كلكامش يواسي أنكيدو مذكرا إياه بالبطولات السابقة ، وبأنه لن يتركه أبدا وفجأة يكتشف أن أنكيدو قد مات ، ولا يريد كلكامش التصديق بموته قبل أن ينخر به التفسخ فيرثيه ويبكيه بكاء مرا ، وهو يستعيد في نياحه ذكريات رفيقه ، وبعد أن يطمر كلكامش صديقه في جوف التراب يهيم على وجهه في الفلاة معلنا اضرابه عن الحياة احتجاجا على الكون ، مذرفا الدموع والآهات على مأساة حزنه لموت صديقه ، ومأساة خوفه من موته هو جاعلا منها مأساة واحدة وهاهو يرثي صديقه قائلا :

لتندبك المسالك التي سرت فيها في غابة الأرز .
لتندبك المسالك التي سرت فيها في غابة الأرز .
وعسى أن لا يبطل النواح عليك مساء نهار .
وليندبك شيوخ أوروك ذات الأسوار .
وليبكك الإصبع الذي أشار الينا من وراءنا وباركنا .
فيرجع صدى البكاء في الأرياف .
وليندبك الدب ، والضبع ، والنمر ، والإبل ، والسبع
والعجول ، والضباء ، وكل حيوان البرية .
ليندبك نهر (أولا) الذي مشينا على ضفافه .
وليبكك الفرات الطاهر الذي كنا نسقي منه .
لينح عليك محاربو أوروك المحصنة .
ليبكك من عظم اسمك في أريدو
ومن مسح ظهرك بالزيت المعطر ، وسقاك الجعة .
ولينح عليك من أطعمك الغلة .
ولتبكك الأخوة والأخوات .

ثم دعا كلكامش الصناع والنحاسين والنحاتين وقال لهم : اصنعوا تمثالا لصديقي ، وصنع التمثال لصديقه ، وبعد الخرام في النص يأتي الحقل الثاني من اللوح الثامن:
اسمعوني أيها الشيوخ وأصغوا لي .
من أجل (أنكيدو) خلي وصاحبي أبكي .
وأنوح نواح الثكلى.

فلمس قلبه ولكنه لم ينبض ، ولم يرفع عينه ثانية ، لذلك وضع كلكامش على صديقه نقابا كما يوضع النقاب على العروس ، ثم بدأ يثور كالأسد ، كلبوة خطف أشبالها ، أخذ يدور حول السرير هنا وهناك ، مزق شعره ونثره على الأرض ولما لاح أول خيط من نور الفجر نهض كلكامش وشرع يندب صديقه قائلا:

على فراش المجد أضجعتك .
وأجلستك على كرسي الراحة الذي على شمالي .
لكي يقبل أمراء الأرض قدميك ،
سأجعل أهل أوروك يبكون عليك ويندبونك ،
وسأجعل أهل الفرح يحزنون عليك .

وبعد أن اقام كلكامش طقوس الدفن الخاصة صار يرثي صديقه ، ويندبه ، ويبكيه ليل نهار ، ثم شرع يهيم على وجهه في البراري ، بعد ذلك قام برحلته البعيدة قاصدا أوتونبشتم ليسأله الخلود .

اقرأ أيضاً – رثاء الملك كلكامش 

المصدر : الأستاذ أحمد لفته – باحث واكاديمي 

image_pdf
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.