موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

وصايا وتعاليم ” شروباك “

1٬094
image_pdf

قراءات مشرقية || وصايا  و تعاليم شروباك – الجزء الأول || (وصايا شروباك) هو النص الأدبي الأول في التاريخ، الذي هو نص سومري كتب في حدود 2600 ق. م ويمثل نصاً في الحكمة أو في أدب الحكمة، وهو عبارة عن تعاليم الملك السومري شروباك (أو ملك مدينة شروباك) ابن الملك أوبارا- توتو، وشروباك هو الذي سينجب ابناً اسمه (زيو سيدرا) وهذا الأخير هو بطل الطوفان السومري والذي يسمى مجازاً (نوح السومري) بينما هو أصل نوح، ومعروفّ أن حكاية نوح والطوفان هي إعادة صياغةٍ عبرية متأخرة لحكاية زيوسيدرا السومري والطوفان، وبذلك يمكننا القول إنه نص أب زيوسيدرا بطل الطوفان، وغاية النصّ هو الحث على الاستقامة وغرس الفضيلة والحفاظ على تقاليد المجتمع آنذاك ويبدأ بلازمةٍ تتكرر وهي (في تلك الأيام) أو (في ما مضى).

وترجمة وصايا شروباك أو( كروباغ )وضعناها للقارىء كى تكون لديه فكرة عن طريقة تفكير الآباء السومريين في تعليم أبنائهم، و السومريون إعتبروها منهاجاً يفرض تعليمه على طلبة المدارس كدرس من دروس التربية الإجتماعية. عثر على مئات النسخ من هذه الوصايا في مدارس المدن السومرية لكن النسخة الأولى تمّ العثور عليها كانت في منطقة تل أبو الصلابيخ في وادي الرافدين، قدّمها المورخ، عالم الآثار و أستاذ الآشوريات بجامعة برمنغهام ويلفريد جي. لامبرت WILFRED G LAMBERT عام 1996 موجوده نسخة جامعة أوكسفورد عام 1998 و عمل عليها كل من أستاذ الآشوريات و السومريات بجامعة أوكسفورد الدكتور جيريمي آلين بلاك JEREMY ALLEN BLACK / جي كننغهام CUNNINGHAM و أستاذة قسم التأريخ بجامعة أوكسفورد الدكتورة إيليانور روبسنELEANOR ROBSON و و أستاذ اللغات بجامعة إيوتفوس بجامعة بودابست الدكتور غابور زوليومي GABOR ZOLYOMI.

جاءت الوصايا في 280 سطراً كتبت بالسومرية المسمارية، قسّمت الى فقرات تضم كل منها بضعة أسطر. وضعنا بعض التعليقات عليها :

السطور من 1 – 13 : في تلك الآيام، الأيام البعيدة جداً، و في تلك الليالي، الليالي البعيدة جداّ، في تلك السنين، السنين البعيدة جداً…في ذلك الوقت، عاش الرجل الحكيم الذي يحسن إختيار الكلمات الحسنة و المدروسة في الأرض. هو كروباغ، الرجل الحكيم الذي عرف كيف يتكلّم بالكلمات الحسنة. عاش في تلك الأرض و أعطى وصاياه أو تعليماته الى أبنه. كروباغ بن أوبارا توتو أعطى تعليماته الى أبنه زيوسودرا:- يا بنىّ دعني أعطيك التعليمات، عليك أن تحذر يا زيو سودرا. دعني اتحدّث إليك بكلمة و عليك الحذر. ينبغي ألّا تهمل تعليماتي و ألّا تخالف الكلمات التي سأتحدّث بها. تعاليم الرجل الكبير في السن ثمينة و عليك الإذعان لها.

السطر 14:– لا تشتر حماراً ينهق بإستمرار لأنه سيقصم حجابك الحاجز. (أيعقل أن يكون السومريون على معرفة بعلم التشريح و معرفة “الحجاب الحاجز” في القفص الصدري قبل 11500 عام؟).

الأسطر 15 – 18 :– لا ينبغي لك أن تتّخذ حقلاً قرب الطريق، و ألّا تحرث أرضاً أو حقلاً قرب طريق المارة من الناس. ألّا تبني بيتاّ قرب ساحة عامة ، فهناك دوماً أناس محتشدون. (نفهم منها وجود نظام تخطيط إقليمي و حضري في بناء المدن كممر للناس و ساحات عامة. إذن لا وجود لنظرية تجمع الصيّاديين عام 7000ق.م. و بناء أكواخ الطين و البردي. يريد شروباك لأبنه نوح عليه السلام أن يكون بمنأى عن ضجيج الناس و عبث الأطفال بحقله. كما نفهم أنهم كانوا قوماً على درجة من الحضارة بدليل وجود نظام الشراء عندهم، أى أنهم تجاوزوا فترة المقايضة منذ ذلك الوقت و ربما قبله. من خلال ذكر كلمتى الحقل و الحراثة نستدلّ على وجود الزراعة قبل الطوفان عند السومريين و هو أمر تجنّب ذكره مؤرخو الغرب و أنكروه على السومريين و أن المحراث قد عُرف في ذلك الوقت على أقل تقدير).

السطران 19 و 20:– ألّا تكفل أحداً لأن ذلك الرجل سيربطك به، و ألّا تسمح لأحد أن يكفلك لأن ذلك الرجل سيحتقرك. (هذه حكمة لا يعرفها إلّا من كفل أحداً أو أن أحد ما كفله. ليس واضحاّ هنا، أن الكفالة كانت تتمّ في دار قضاء أو بين الناس).

السطر 21:– ألّا تتحرّى عن رجل ما أو تحاول أن تعرف خصائصه، لأن الطوفان سيعيد ذلك إليك. (القصد هنا أنه من حاول معرفة عيوب الناس بانت معايبه. في هذا الكلام حكمة كبيرة تدلّ على معرفة و تطور العقل البشري الى درجة عالية. بمعنى أنه مرّت آلاف السنين عليهم ليصلوا الى هذه المرحلة من الحكمة المتبلورة في هذه الوصايا).

السطور 22 – 27:– الّا تتسكع أو تقف حيث يوجد نزاع أو شجار، عليك ألّا تجعل ذلك الشجار يصيّرك شاهداً عليه، و ألّا تسمح لنفسك بالتدّخل في شجار ما أو أن تتسبب في حدوث شجار لأن ذلك سيجعل منك عبداً. قف جانباً و بعيداً عن النزاع. و من الأفضل لك أن تتخذ طريقاً أخر (توجد إشارة ضمنية هنا الى وجود قوانين عامة كانت تحكم المجتمع و التي تعاقب مسببي النزاعات و الشجارات بالعبودية، ربما لفترة من الزمن).

الأسطر 28 -31:– ألّا تسرق شيئاً و ألّا تساعد على فعل السرقة. عليك ألّا تقتحم بيتاً ما بهدف السرقة، راغباً في الحصول على صندوق النقود الفضية. اللص أسد طالما بقى طليقاً، لكن بعد القبض عليه، يصبح عبداّ. يا بنىّ، لا تسرق بالإكراه (سطو مسلح) فأنت لا تريد أن تجرح بفأس (الترجمة الأنجليزية حرفية و كان يجب ترجمتها الى “فأنت لا تريد أن يضرب عنقك أو أن تقطع يدك بفأس”. من هذه الوصية نستدلّ على أن السومريين في الألف العاشر قبل الميلاد كانوا يتعاملون بالنقود الفضية في عمليات البيع و الشراء و ليس بنظام المقايضة كما أشاع مؤرخو الغرب عامة، و من أن نظام المقايضة إستمر حتى الألف الرابع أو الثالث قبل الميلاد حتى عرفوا النقود!! هذا دليل مؤرّخ في لوح طيني فعلاً و يتحدّث عن عادة الناس في حفظ نقودهم الفضية داخل صناديق في بيوتهم، و دليل على أنهم عرفوا تعدين الفضة و صناعة العملات المعدنية. هنا إشارة أخرى الى وجود سلطة تمثّل القانون تصك العملة الفضية و تلقي القبض على اللص و تعاقبه بالعبودية أو بضربه بالفأس على فعلته و قطع رأسه أو يده. هذه النص أيضاً يخالف ما ذكر عن أول تجمّع للسومريين الصيادين كان في عام 7500 – 5300 ق.م. في قرى صغيرة خلال فترة عبيد و أنهم كانوا يعيشون في أكواخ!! إننا هنا أمام حضارة متطوّرة في ظل سلطة تشريعية و تنفيذية في الألف العاشر قبل الميلاد تحكم المجتمع السومري و تطبق العدالة. المجتمعات البدائية تحتاج عصورا عدة لكى تخلق حضارة مدنية و تصل الى مرحلة تشريع القوانين و فرض تنفيذها. هذا يعني، أن حضارة السومريين إمتدّت بضعة عصور أخرى قبل الطوفان)
الأسطر 32 – 34:- يجب ألّا ترفع من شأن شاب ما و تجعله يبدو أفضل منك، و ألّا تدّعي ذلك لنفسك، ألّا تلعب بذيلك و تقيم علاقة مع إمرأة شابة متزوّجة، لأن الفضيحة ستكون خطيرة. يا بنىّ عليك ألّا تجلس الى جانب إمرأة متزوّجة في الغرفة وحدكما (المهم هنا الأشارة الى وجود الزواج الأسري في المجتمع السومري في ذلك الزمن الذي سادت فيه هراوة رجل الكهوف التي يرغم بها الأنثى على دخول كهفه في أماكن أخرى من الأرض. كما لدينا دروساً أخلاقية توحي بوجود نظام و تقاليد إجتماعية أو بوجود شريعة دينية مثلى تحكم المجتمع،

الأسطر 35 – 38:- ألّا تزجّ نفسك بنزاع أو شجار و ألّا تجلب العار لنفسك أو أن تنطق بالأكاذيب. ألّا تتبجّح أو تتباهى غروراً. عند ذاك سيثق الناس بكلماتك. ألّا تتعمّد الإطالة في الحديث الى الناس، فلن تستطيع بعدها تحمل نظراتهم (درس أخلاقي أخر).

الأسطر 39 – 41:– ينبغي ألاّ تأكل مع اللص طعاماً مسروقاً أو مع أى أحد. عليك ألّا….(كلمات مفقودة) بنفسك . (ربما هي ألا تسرق الطعام لنفسك). ينبغي عدم تلطيخ يدك بدم الآخرين…(كلمات مفقودة)… فبعد أن عاينت العظام، عليك أن تعيد الثور. (هذا يعني أنه سيّدفع الثمن عاجلاً أم آجلاً و ربما أكثر بكثير مما سرق).

السطران 42 – 43:– ألّا تتفوه بكلمات نابية أو التحدّث بصورة غير لائقة لأن ذلك سيصبح فخ تقع فيه لاحقاً.

الأسطر 44-46 :– ألّا تفرّق أغنامك في حقل لا تعرفه و ألّا تستأجر ثوراً من أحد لعمل غير مضمون أو مؤكد أو رحلة غير مضمونة لأن سلامة الركوب تعني سلامة الرحلة. (إشارات ضمنية الى وجود نظام الإيجار و الإستئجار و إبتكار العجلات و العربات التي تجرّها الثيران. إضافة الى معرفة تدجين الحيوانات كرعي الأغنام و الثيران. أمر يناقض كل ما كتب عن تسلسل التطوّر الحضاري السومري و تأريخه و دحض الفكرة التي تقضي بأن السومريين إبتكروا العجلة في الألف الرابع قبل الميلاد).

السطر 47:– ألّا تسافر ليلاً، لأن الليل ينطوي على الخير و الشر معاً (إشارة الى معرفتهم الخير و الشر و ربما الصراع بينهما).

السطر 48:- ينبغي الّا تشتر حماراً برّياً لأنه سيبقى معك الى أخر النهار فقط ثم يهرب بعدها.

السطر 49:– ألّا تمارس الجنس مع بنت من عبيدك لأنها ستشهّر بك و تلطخ سمعتك.

السطر 50:- يجب ألّا تلعن بحدة، لأن اللعن سيرتدّ عليك.

يتبع الجزء الثاني …

المصدر: الباحث الاثاري الأستاذ أحمد لفته (قارئ الرقم المسماري ) – المقدمة بقلم الدكتور خزل الماجدي .

image_pdf
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.