موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

محمود درويش على صهوة الأبدية

4
image_pdf

ريادةُ الفكرة وأسبقية القول منحةٌ يُقدمها صانعُ إنجاز النص الإبداعي، الجدي المثابر المُنجز بحد ذاته تلقائياً، دونما تدخل مباشر قصدي ذاتي هندسي مُتعمِّد الخُطى، تلك حقيقة تاريخية تطال مسيرة الفن العالمي بمختلف أشكاله وبرُمَّته.

من هنا يمكن إدراك معنى استمرارية النص في تداولاته منذ فجر الحروف حتى آخر المنجزات أدباً وفناً لأي مبدع وفي أي حقل كان.

في تناول سؤال أصل الألق الدرويشي، يمكن الانطلاق من هذه الركيزة التي تعد منطلقاً نقدياً، بل قاعدة تقييمية لمسيرة شاملة تخص المبدع، أي مبدع كان، أما عند درويش فتتميز الصورة بالديمومة التي تفوح رائحتها عبر مفردات مدروسة الانتقاء والجدوى والدلالات، بحيث تُصهر في قالب إبداعي شكل لوحته الخصوصية المميزة، هي فَرادةٌ منمقة مدعمةٌ بجدية الإطارات المعرفية والفلسفية ومرصعة باشتقاقات لغوية ومفردات تراكبية جعلت من ذاتها حالة خاصة مميزة بفعل التراكم والتكرار من جهة الشكل والمضمون.

ما يميز النص الدرويشي عالمياً هو التماسك العضوي بين مجمل كتاباته وشكل استخدامه للمفردات في صياغة الجملة الشعرية، بحيث إذا ما تم تناول نتاجه المتقدم والمتأخر، لا ينقطع لَحْظُ خط التواصل بين نثراته وقصائده جميعاً، قد يقول سائل: فماذا عن الاستثناء والاختلاف في بعض نتاجه؟ الاستثناء هنا يدخل في إطار التنويع أو التجريب ويبقى محافظاً على سياقاته الداخلية واللغوية وبنيته الأساسية.

يعود ذلك لتماسك البنية المعرفية- القاعدة التي مهما تطورت لا تخرج عن أس البناء النصي، ولا نجد بالتالي ذلك الهامش التناقضي بين أول قصيدة وآخر شهقة شعرية كتبها، بل إن هذا التفاعل الدائم هو ما يفرض تصنيف الخصوصية على التجربة، خصوصية شعرية الشاعر مع التجربة الذاتية، إن هي تم النظر إليها باعتبارها كائناً كلياً مجتمعاً، وهنا يمكن الأخذ بعين الاعتبار النقدية، تطور التجربة والمفردات والموسيقا والاستخدامات الفنية التقنية، الذي لا يخرج عن كينونة النص المحكم الحياكة والأرضية الفكرية، فالمفردات تتطور طبيعياً وتلقائيا كلما نضجت وتعمقت تجربة الشاعر، لكنها لا تخرج عن سياق البداية، بل هي تُطور مفردات الشاعر الأولى ذاتها التي بدورها وبالنسبة لدرويش كانت بدايةً تنحى منحى خطابياً مباشراً، بالذات في تجربته اليومية الأولى أثناء تواجده جغرافياً داخل فلسطين، والتي شهدت حالة مختلفة متطورة شكلاً عقب المغادرة، وكذا الأمر بعد الدخول مباشرة في صفوف الثورة والمقاومة التي أضافت فعلاً يومياً لغوياً كانعكاس طبيعي لهذا التغير المكاني الذي أنتج بدوره تغيراً تطويرياً للرؤية الكلية للدلالات وللغة والشكل الشعري والمفردة، بفعل تغير واختلاف شكل الحياة اليومية ومكانها وخصوصية التعاطي المختلفة- المضطربة فلسطينياً- مع الأنا والآخر، فقد أضحى الصراع مع العدو أكثر سعة مع اتساع بقعة العيش واختلاف الجغرافيا، كما التواجد مع الصديق محملاً بتناقضات الواقع وتقلباته وخداعاته.

لقد شهدت مرحلة السبعينيات وضوحاً في شكل الإبداع الشعري لدى درويش، وكانت قبل ذلك- داخل فلسطين- مجرد مولود ثائر مناضل جميل الطلعة، لكنه غير مكتمل البنية تماماً، لهذا فالخطاب الذي يشد الجمعي كان وقتها السمة الأساس للقصيدة، أما بعد الخروج فقد سطع الشخصي- الفردي لكنه سكبه ضمن العام- الجمعي، تلك مأثرة الرجل الكبرى، لقد تطور مع كل تطور في حياته، وانتقل مع كل انتقالة، لكنه أبقى على عمق الهوية وطنياً وإنسانياً وشعرياً، وتبدل مع كل تبدل في مراحلها، لكنه ظل محافظاً أميناً على الخيط الرابط بين التبدلات والانتقالات، كان درويش بتوصيف ما مفرداً بصيغة الجمع.

التقط محمود درويش هذا الخيط- وحدة البناء- الذي مثل بالنسبة إليه فحوى الهوية العميق لا شكلها، مضمون الفلسطيني لا وقائعه بالضرورة، ومن هنا ابتكر صيغة التعايش والتلاقي مع الذات الإنسانية الأشمل بكل تشظياتها وتعرجات مسارها، غير متناسٍ لغبطة الشكل الشعري وهيبته وسطوته، كما لم ينسَ تطوير مفرداته في السياق الفني البحت الذي يقع خارج تصورات التلقي ولكنه يفعل فعله فيه عند الإنجاز.

اكتشف الشاعر أهمية المنحى الإنساني للقصيدة مع حضور الوطني، فنجح تماماً في تطويع المحلي ليرقى إلى صفة الإنسانية، هكذا وصل إلى سدة العالمية التي يتربع على عرشها اليوم وإلى زمن طويل لا يبدو أنه سوف ينتهي.

شاعران عربيان اكتسبا هذا التوصيف، هما أبو الطيب المتنبي قبل ألف عام ونيف، ومحمود درويش في الواقع الآني القريب، وعلى الرغم من ظهور عشرات المبدعين الآخرين المرموقين عربياً، إلا أنهما- المتنبي ودرويش- متفق عليهما تقييمياً بشكل جماعي ما، وذلك لتميز مجمل التجربة ودمغها من قبلهما بخاتم الخصوصية، الخصوصية التي تخلق ذاتها من خلال انسجام كل ما سبق بكل ما لحق، فتصبح اللغة المستخدمة ذاتها كأنها لغة خاصة حصرياً بالشاعر، وكما أسلفنا فإن ذلك ينطلق من رؤيوية عميقة نبيهة، يحتويها مشروع فني منجز واضح المعالم في ذهن منجزِه، يتطور معه، وقد يموت معه، وهو في كلتا الحالتين يُرسخ ذاته في ذهنية التلقي وذاكرة المتلقي التي يصعب أن تنسى مؤثرات الحالة والمفردات والمضامين عقب التلقي.

يسود ذلك باعتباره لغة الشاعر، كمثلٍ، مازلنا نقول حتى اليوم” اللغة الشكسبيرية” إنها الإنكليزية ذاتها لكنها صيغت بخصوصية شكسبيرية، ذات مضامين عميقة متماسكة وجمالية مبتكرة الاستخدام، وتتمتع بإصرار وتماسك، وغائية يُقصد منها التلاقي مع الأوسع والأبعد زمنياً وجغرافياً، هذا أيضاً مما يصنع العالمية، وبالنسبة لدرويش فقد استوعب ذاك التطابق العبقري بين الحسي واللفظي، بين المبنى والمعنى، وبين الفكرة والمفردة، الوطني والإنساني…

اقرأ ايضاً : 29 أغسطس.. استشهاد ناجي العلي بعد غيبوبة طويلة إثر اغتياله

تلك الهوية الناجزة بمفهومها الكلي تفعل فعلها في شد المتلقي لاستقبال النص الواقع بين اليدين آنياً وللنصوص المقبلة- أثناء حياة الشاعر أو الكاتب-، ومجمل أو محصلة القراءة والتلقي المتعدد للنصوص استمرارياً، وبالتالي يسمح ذلك بالانتشار والاتساع حتى مع ظلم الترجمة التي لا توصل كل تفاصيل المشهد غالباً.

مأثرة درويش الكبرى هي أنه استطاع تحويل الكلم إلى كائن حسي متكامل العناصر فنياً ودلالياً، فكما أسس فكرته على الوطني والإنساني، أسس الفني – قصيدته- مبنيةً على تميز وفرادة بقالب خصوصية مفرطة في اختلافها عن السائد، هذا ما كان منذ باكورة نتاجه ونعومة أظفار قصيدته، وهو ما أتاح للمتلقي تقبل استقبالها من قبل مختلف طبقات الجمهور المعرفية والثقافية، بل مختلف المشارب الإيديولوجية والفكرية، وساهم في ذلك توازنه من حيث الموقف وطرحه حضارياً عبر جمالية مميزة فرضت تحقيق الانتشار العالمي.

لقد أدرك درويش منذ البداية الصبغة العالمية الاستثنائية لقضية وطنه وشعبه، أدرك نموذجية القضية، فمزج المحلي سياسياً بالعالمي أخلاقياً، اليومي بالتاريخي، حتى صارت قصيدته هي المعبر الأوسع عن صوت الأحرار والحالمين في العالم بأسره، هكذا أصبح درويش شاعراً عالمياً يتجاوز حدود اللغة والجغرافيا، وهكذا أضحت قصيدته قصيدة صوت الأحرار والحرية في مختلف أنحاء العالم، وتلك هي صهوة العالمية، التي جعلت منه سائراً أبدياً عظيماً في طريق الأبدية.

بقلم : وليد عبد الرحيم

image_pdf
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.