موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

أسباب الانتحار في لبنان.. الوضع الاقتصادي أم عدوى؟!

11
image_pdf

أصبح الانتحار في لبنان ظاهرة مرعبة ومقلقة إلى حد كبير، حيث أقدم 4 لبنانيين، خلال 24 ساعة، على قتل أنفسهم بطرق بشعة، هربًا من أحوالهم الصعبة ومعيشتهم الضيقة جراء انهيار الوضع الاقتصادي للدولة بشكل كارثي.

لم يكن الانتحار من المواضيع التي تشغل بال اللبنانيين، ولم يشكل ظاهرة لافتة، لكنه بدأ يتحول إلى أحد المواضيع الساخنة خلال الأعوام القليلة الماضية، وبلغ الاهتمام به ذروته الأشهر الماضية، حيث بات ظاهرة شغلت الرأي العام وصارت من المواضيع التي تشغل الإعلام اللبناني والعربي.

في وضح النهار، وفي فسحة أمام مبنى في شارع الحمرا المزدحم في بيروت، يضم مقهىً ومتجرًا شعبيًّا ومسرحًا، أقدم مواطن يبلغ من العمر 61 عامًا على الانتحار بإطلاق رصاصة من مسدس كان بحوزته، وترك قربه نسخة عن سجله العدلي ملصقة على ورقة كُتب تحتها بخط اليد “أنا مش كافر”، تيمنًا بمطلع أغنية ثورية لزياد الرحباني، يليها عبارة “بس الجوع كافر”، في دلالة على وضعه المعيشي الصعب.

السبب الرئيس للانتحار

الطبيب النفسي الدكتور هاني وهبي أكد لوكالتنا “أن من أهم أسباب الانتحار هو الاكتئاب، حيث إن مادة في الدماغ تشبه الهرمونات يسميها البعض هرمونات السعادة، عندما تنقص يؤدي ذلك إلى الاكتئاب الحاد، ما يدفع الشخص إلى الانتحار، إضافة إلى عامل آخر وهو فقدان الأمل بالمستقبل”.

وأضاف الدكتور وهبي أن “على المحيطين بالمكتئب القابل للانتحار، مراقبة تصرفاته التي تتغير، كأن يتخلى عن هواياته، ويصبح منطويًا ومنعزلًا وقليل الكلام والنوم والأكل، وفي هذه الحالة يجب أن يُعرض على طبيب نفسي، الذي بدوره يصف له الدواء، وبالتوازي هو بحاجة إلى التحدث مع معالج نفسي للتفريغ عما داخله”.

عدوى الانتحار!

المعالجة النفسية دينا وهبي من جهتها أكدت لوكالتنا أن عملية الانتحار ليست وليدة ساعتها، بل هي نتيجة اضطرابات نفسية ومعاناة كبيرة للمنتحر، ولفتت إلى أن حالات الانتحار في ازدياد بسبب إلقاء الضوء عليها أكثر من خلال الإعلام.

وتعزي المعالجة النفسية سبب ارتفاع حالات الانتحار إلى ما أطلقت عليه اسم “عدوى الانتحار”، وتفسر لنا ذلك بقولها: “الشخص الذي له ميول إلى الانتحار لكنه متردد في الإقدام على هذا الفعل، عندما يرى أو يسمع أن أحدًا انتحر، والإعلام سلط الضوء عليه وأظهره بأنه بطل، وتعاطف المجتمع معه، يتشجع على الانتحار، خاصة أن لديه صورة متدنية عن نفسه”، وتشدد دينا وهبي على أن ذلك يتطلب من وسائل الإعلام ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي التعاطي بمزيد من التأني مع هذا الموضوع الدقيق والحساس الذي لا يمكن الاستخفاف به.

ودعت المعالجة النفسية الناس إلى “تثقيف أنفسهم حول كيفية التعامل مع ضغوطات الحياة، وأن يكون لديهم مرونة نفسية في التكيف مع تحديات الحياة، فليس مسموحًا كلما عصفت بنا مشكلة نتجه إلى الاكتئاب والانتحار”، وتتابع دينا وهبي لوكالتنا أن “الصحة النفسية لا تقل شأنًا عن الصحة الجسدية، فمثلما تتجه إلى الطبيب عندما تشعر بألم ما في جسدك، لا تتردد في الذهاب إلى معالج نفسي عندما تقتضي الحاجة، وهذا ليس عيبًا كما يصوره المجتمع”.

وأيَّا كانت الأسباب وراء الانتحار، سواء طبية أم اجتماعية أم اقتصادية، يبقى بصيص أمل يظهر من خلال بعض المبادرات الفردية، التي تحاول إنقاذ الأرواح، خاصة في ظل الصمت الرسمي المطبق.

حان الوقت للتكاتف الاجتماعي

“حان الوقت لنقف معًا” صرخة أطلقتها على صفحتها على الفيسبوك، الاخصائية النفسية مي زعتري، بعد تفشي ظاهرة الانتحار والقتل، طالبت من خلالها كل المؤسسات الأهلية والروحية بفتح أبوابها ومراكزها أمام الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، لدعم اللبنانيين ومساعدتهم على كيفية تخطي الأزمات، كما ناشدت المؤسسات الروحية الدينية لدعم خطب الجمعة بقوة التحلي بالثقة بالله، كما دعت المغتربين إلى دعم صناديق المؤسسات الأهلية، علّها تساعد أسرة لبنانية وتفرج جزءًا من كربة محتاج ومهموم.

وخلال مقابلة مع مي زعتري قالت لوكالتنا: “إن المبادرة جاءت نتيجة صدمة استيقظنا عليها، وهي أن 4 أشخاص أقدموا على الانتحار خلال 24 ساعة، ونحن كأخصائيين لا ننظر إلى موضوع الانتحار من الزاوية التي ينظر إليها المجتمع من الناحية الدينية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، لكن نطرح أسئلة على الشخص، لماذا تريد أن تنهي حياتك؟ هل من أجل ربطة خبز، أو فاتورة كهرباء، أو إيجار بيت؟! هل ضغوطات الحياة التي تواجهك، تجعلك تستهين بروحك التي هي أمانة؟”.

وتؤكد مي زعتري أن “هذا هو الوقت لتقديم خدماتنا المجانية لتوعية محيطنا، وليس كما فعلت بعض المدارس التي أوقفت عملي خلال أزمة كورونا كموجهة الإرشاد التربوي والدعم النفسي، بدل أن يكون لنا إرشاد عن بُعد، مُشابه للتعلم عن بُعد، لإرشاد الطلاب والأهالي إلى تخطي أزمتهم وحل مشاكلهم، وخفض التوتر وكيفية التعامل مع أبنائهم خلال هذه الفترة!”.

وعن تجاوب الإخصائيين مع مبادرتها، قالت مي زعتري إنها تلقت أكثر من اتصال يؤيد هذا الموقف في هذا الوقت الذي تمر به البلاد، وأكدت أنهم بصدد تأسيس لجنة مصغرة لإعطاء دورات مجانية للأهالي عن كيفية حل المشكلات وتخطي أزماتهم، وطريقة خفض التوتر، ومواجهة المصاعب التي يمرون بها قبل الوصول إلى حالات الاكتئاب والانتحار. 

وعن الحالات التي وصلتها، تروي لنا الإخصائية النفسية قصة شاب “عاد من أميركا مصدومًا بسبب عدم استكمال مسيرته العلمية نتيجة عدم قدرة أسرته تغطية النفقات، ما أدى إلى تحطيم طموحه واضطراره إلى نقله إلى مركز صحي نفسي”، وتؤكد مي زعتري لوكالتنا أننا “كلنا بحاجة إلى دعم نفسي حتى لا نصل إلى الأمراض العقلية والاكتئاب السوداوي الذي يؤدي إلى الانتحار”.

موجة غضب على مواقع التواصل

حالات الانتحار التي شهدها لبنان في الأيام الأخيرة، أثارت موجة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي، وانهالت التعليقات التي تؤكد ضرورة اتخاذ السلطة الخطوات اللازمة للحد مما يخاف البعض من تحوله إلى ظاهرة، وحماية أرواح الناس.

الإعلامية اللبنانية جوزيفين ديب، انتقدت عبر صفحتها الرسمية على موقع تويتر صمت السلطة وقلة المسؤولية، وتساءلت عمّا يشعر به المسؤولون عندما يسمعون مثل هكذا أخبار؟ وكتبت: “هؤلاء أركان النظام العقيم الذين يمسكون البلاد منذ ٣٠ سنة، دون أدنى مسؤولية، هم من يجب أن ينتحروا وليس الشعب”.

كما سخر آخرون من عبارات ردّدها سياسيون لبنانيون مؤخرًا، ومن بينها عبارة لرئيس الجمهورية ميشال عون مفادها أنه “لا أحد يموت من الجوع”.

الرجل أكثر ميلًا إلى الانتحار

وتظهر الأرقام والدراسات أن الرجل قد يكون أكثر ميلًا إلى الانتحار، وهذا ما يكشفه الواقع، إذ أن معدلات الرجال الذين يقدمون على الانتحار أعلى بشكل واضح مقارنة بمعدلاته بين النساء، وقد يكون السبب وراء ذلك أن مجتمعاتنا وثقافتنا تعدّ الرجل مسؤولًا عن إعالة أسرته، ما يزيد من الضغوط النفسية عليه، وبالتالي يقوده العجز عن تأمين حاجات أسرته إلى التوتر والشعور بالفشل والخجل، ما قد يرفع خطر تفكيره بالانتحار، خصوصًا إذا كان يعاني اضطرابًا نفسيًّا معينًّا أصلًا، وبالتالي تتخطى الضغوط على الرجل في مجتمعاتنا إلى حد كبير تلك التي تعانيها المرأة، ما يفسر أن يكون أكثر ميلًا إلى الأفكار السلبية، وإنهاء حياته.

تسجيل محاولة انتحار كل 6 ساعات

كل ثلاثة أيام يقدم لبناني على الانتحار، بينما يحاول أحدهم الانتحار كل 6 ساعات في البلاد، بحسب جمعية EMBRACE للوقاية من الانتحار، هذه الأرقام قد لا تبدو مرتفعة، إنما هي لا تنقل الصورة الحقيقية للواقع اللبناني، فللأسف، حتى اليوم لا تتوافر الأرقام والتقارير الحقيقية عن حالات الانتحار في لبنان، بما يسمح بتكوين صورة واقعية تساعد في تصنيف الوضع ومدى خطورته لأسباب دينية واجتماعية وغيرها، حتى أن آخر الأرقام الصادرة عن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، تشير إلى 138 حالة انتحار العام 2015، وفي العام 2016 سُجلت 128 حالة، وفي العام 2017 سُجلت 143 حالة، وفي العام 2018، سُجلت 155 حالة، وبلغ عدد المنتحرين منذ بداية العام 2019 حتّى أغسطس/ آب من العام نفسه 110 حالات انتحار، أما بعدها فما من إحصاءات دقيقة، على الرغم من تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وبلوغ مراحل تدعو للقلق لما شهدناه من ارتفاع مخيف في معدلات الانتحار في الأشهر الأخيرة، لكن يبقى السؤال، ما الذي تقدمه الحكومة اللبنانية للحد من هذه الظاهرة؟

المصدر – وكالات

image_pdf
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.