موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

ثورة ملونة في عقر أميركا .. فأين العرب؟

13
image_pdf

أمام أعيننا نرى كيف تعصف موجة “الثورات الملونة” التي اندلعت في مناطق كثيرة حول العالم بالولايات المتحدة التي دعمتها يوما.

وساعدت على انطلاقها، فهل تتجرع واشنطن من نفس كأس “الربيع” الذي أذاقته للعالم؟في 3 يناير من العام 1980 كان مستشار الرئيس الأمريكي، جيمي كارتر، لشؤون الأمن القومي، زبجنيو برجينسكي، يجلس أمام الرئيس المصري، محمد أنور السادات، ينقل إليه دعوة كارتر لـ “مصر الإسلامية” كي تقوم بدور في “الجهاد الإسلامي” ضد “الإلحاد السوفيتي”، الذي “غزا” بجيوشه بلدا إسلاميا (أفغانستان).

انطلق بعد هذه الزيارة ما سمي حينها بـ “الجهاد ضد الإلحاد”، وتم تجنيد آلاف الشباب من جميع أنحاء الوطن العربي بأموال عربية وأسلحة سوفيتية من المخازن المصرية التي لم تعد القاهرة بحاجة إليها بعد كامب ديفيد!.

وقال الرئيس السادات حينها “إننا على استعداد بأسرع ما يمكن لكي نساعد في أفغانستان وأن نتدخل لنصرة أخواننا المجاهدين هناك”، وتابع أن “ما سوف نعطيه لأخواننا من الأسلحة هو بعض ما كان عندنا، ولم نعد بحاجة إليه، وذلك أبسط واجب نؤديه نحو أخواننا في الإسلام”.

في الفترة ما بين 24 مارس و10 يونيو من عام 1999 تدخل حلف الناتو عسكريا في جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية فيما سمي آنذاك بعملية “ملاك الرحمة”، بذريعة إجبار الرئيس الشرعي سلوبودان ميلوشوفيتش على سحب قوات بلاده من إقليم كوسوفو ، الذي استقل بعد ذلك عن جمهورية صربيا في عام 2008.

توالت بعد ذلك أحداث الثورات الملونة في أوروبا الشرقية والعالم بداية من جورجيا (2003) وأوكرانيا (2004) ومولدافيا (2009) وصولا إلى “الربيع العربي” في العام 2011 بدءا من تونس، فمصر، فليبيا، فسوريا، وصولا الى اليمن ثم انقلاب أوكرانيا (2014).

تاريخ طويل من التدخلات السافرة والإملاءات والسيطرة والهيمنة في إطار أوهام عالم أحادي القطب تحت شعارات “القرن الأمريكي” الذي لم نلبث أن انتهينا من العقد الثاني منه.

الفوضويون الأمريكيون والمتظاهرون من الحزب الديمقراطي وشتى الأطياف والطبقات من الشعب الأمريكي ينتفضون ويحرقون ويسرقون ويسيطرون على عدد من المناطق في محاولة لبسط إرادتهم بالقوة بعد أن خذلتهم صناديق الاقتراع، ولم تعد توفر لهم الحد الأدنى من مطالب العدالة الاجتماعية.

وإذا كانت إجراءات الإغلاق أو الفتح بسبب جائحة كورونا قد شهدت تناقضات بين حكام الولايات وتوجهاتهم وإراداتهم التي لم تتفق في الكثير من الأحيان مع رغبة السلطات الفدرالية في عموم الولايات المتحدة الأمريكية، فإننا هنا أمام مناطق تحاول فعليا الآن إعلان استقلالها عن الولايات المتحدة الأمريكية.

بصراحة، لا أشعر بالشفقة على الطبقة السياسية الأمريكية، فهذه بضاعتهم ردت إليهم من خلال سياساتهم الداخلية والخارجية على مدار عقود. لكن ما يدفع للحزن والأسى هو الضحايا ومن يفقدون ممتلكاتهم ومصادر دخلهم جراء أعمال العنف. كذلك فإن ما يثير مزيدا من القلق، هي توابع هذا الزلزال الأمريكي في أوروبا الغربية: فها نحن نرى مظاهرات مستمرة في بعض العواصم الأوروبية، وتشويه وتحطيم للتماثيل، بل إن قادة المظاهرات في لندن يطالبون بإزالة تماثيل 60 شخصية تاريخية من بينهم رئيس الوزراء تشارلز غراي وويليام غلادستون، الأدميرال هوراشيو نيلسون، الملك تشارلز الثاني ملك إنجلترا، أوليفر كرومويل وغيرهم.

وبغض النظر عن الآليات التي تنتهجها السلطات في هذه الدولة أو تلك لتهدئة الحشود العنيفة، واستعادة النظام، لكن لا نستطيع منع أنفسنا من التفكير في المصير الذي سيصيب الدول العربية، جراء هذه الأحداث، التي يمكن أن تفضي إلى حرب عالمية جديدة، وهو ما أطلب من السياسيين العرب التفكير فيه بجدية.

إن دواعي القلق بهذا الشأن ليست قليلة. فأولا، يخشى الأمريكيون (البيض بشكل أساسي) من تفشي مظاهر العنف في مناطقهم الهادئة، بينما يخوض بعض الأمريكيين وللمرة الأولى تجربة مشاعر الخوف وعدم الاستقرار، ويخزّن آخرون ترسانة من الأسلحة للدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم من القتلة والمغتصبين، والأمر بالفعل مرشح لكي يتحول إلى عنف مسلح، وربما إطلاق نار في الشوارع، بل وربما أيضا تدخل للجيش الأمريكي.

وثانيا، وعلى الرغم من أن أحدا لا يريد حربا أهلية في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن مسار الأحداث لم يعد من الممكن التنبؤ به، والحرب الأهلية الداخلية يمكن أن تصبح حافزا لحرب أخرى خارجية وعالمية، حيث يعرف السياسيون جيدا أن حشد الأمة يتحقق غالبا من التعرض لمواجهات مسلحة خارجية. والشعب الذي يواجه خطر الإبادة أو الدمار الشامل، سيتبع الزعيم الذي أطلق إشارة بدء الحرب، الذي سيصبح بدوره زعيم الأمة، وقائدها نحو النصر المبين، ومن ثم يضع بذلك حدا للحرب الأهلية والاقتتال الداخلي بين عناصر الأمة الواحدة. خدعة استخدمت ولا تزال تستخدم في كل عصور التاريخ.

ثالثا، تشير كل المؤشرات نحو تصاعد سيناريو الأحداث في الولايات المتحدة الأمريكية نحو الحرب الأهلية، فهذا نائب الرئيس السابق، والمرشح الديمقراطي للرئاسة، جو بايدن، يعلن أنه إذا ما فاز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية المقبلة، فإن الحزب الديمقراطي والليبراليين والفوضويين وداعميهم من مثيري الشغب لن يعترفوا بهذا النصر، وسيبدأون احتجاجات جماهيرية، بل ويذهب بعض المتطرفين إلى القول بأنهم “سيقتلون ترامب حال فوزه”، هكذا وبكل بساطة. إنها أجواء مثالية لاندلاع حرب أهلية، بكل تبعاتها الدولية الخطيرة.

في ظل هذه الظروف العصيبة، المليئة بالاضطرابات العاصفة للولايات المتحدة الأمريكية، يواصل السياسيون الأمريكيون مزاعمهم بأن الديمقراطية الأمريكية هي الإنجاز الأفضل على الإطلاق في تاريخ البشرية، ويتابعون رسالتهم “المقدسة” في غرس القيم الأمريكية حول العالم!

حقا ألا تدعو تلك الملهاة للضحك؟ بعد كل هذه السنوات والتجارب المؤلمة التي أودت بحياة ملايين البشر في أماكن مختلفة من العالم في هيروشيما وناغازاكي وفييتنام وأفغانستان والعراق ويوغوسلافيا وليبيا وسوريا واليمن والقائمة تطول، ولا زال هناك من يمتلك الجرأة والوقاحة لإطلاق الأكاذيب حول “الحلم الأمريكي” و”الديمقراطية الأمريكية” و”القيم الأمريكية”، حقا “إذا لم تستح، فافعل ما تشاء!”.

أما عن تهديد الحرب، فما يثير الرعب حقا، هو الى من ستؤول “الحقيبة النووية”، ومن سيقود الولايات المتحدة الأمريكية في ظرف بضعة أشهر من الآن؟

لقد أثبت جو بايدن عجزه عن قيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فنسيان أمر من الأمور الحياتية الشخصية مشكلة صغيرة، أما الضغط على الزر الأحمر في حالة من النسيان أو التهيؤات سيتسبب في فناء نصف البشرية، وتلك مأساة عالمية.

باختصار، تبدو سماء الولايات المتحدة الأمريكية ملبدة بالغيوم، والأيام حبلى بالأحداث، وإذا بادرت الولايات المتحدة الأمريكية بقرار الحرب، فإن أول المتضررين من أي ضربة دفاعية سوف تكون مناطق أوروبا الغربية والشرقية، التي تحتضن على أراضيها القواعد العسكرية الأمريكية!

فماذا عن منطقتنا العربية؟

تحتضن دول الخليج أيضا عددا من القواعد العسكرية الأمريكية. وليست الضربات النووية الدفاعية وحدها هي ما يمكن أن يهدد هذه القواعد، وإنما وجود رؤوس نووية أمريكية في هذه القواعد هي ما قد يهدد البلدان التي تحتضنها. فالشرق الأوسط بأسره يمكن أن يصبح منطقة ملوثة نوويا.

لقد جعلت الأحداث الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الجديدة أقرب من أي وقت مضى، واليوم أصبح من الواضح أن حياة الدعة والاستقرار والرفاهية الأمريكية من الممكن أن تختفي في ظرف ساعات لا أيام. لقد ارتفع الدين الخارجي الأمريكي بمقدرا 2 تريليون دولار في الأشهر الستة الأخيرة فحسب، وتدهور الوضع السياسي الداخلي، وتزداد حدة الانقسامات داخل المجتمع الأمريكي كل يوم، ومعها تزداد عدوانية الفوضويين وانعدام المبادئ لدى الطبقة السياسية الحاكمة. ما يهمني هو ألا تمس هذه الأحداث بني جلدتي من العرب، وألا تطال ألسنة الحرب والدمار أراضيهم.

لذلك أنصح العرب جميعا بأن يتخلصوا في أسرع فرصة ممكنة من “الالتزامات” والقواعد الأمريكية، حفاظا على المنطقة من التداعيات المحتملة للزلزال الأمريكي.

رامي الشاعر

كاتب ومحلل سياسي

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

المصدر : روسيا اليوم

image_pdf
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.