موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

نزيف “هجرة الأدمِغة” يتواصل: تونس تفقد كفاءاتها!

نزيف "هجرة الأدمِغة" يتواصل: تونس تفقد كفاءاتها!
103
image_pdf

شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في هجرة الكفاءات، هي صفوة النُخبة الأكاديمية والعلمية، ما جعل منها مصدر انشغال عميق، ذلك أن البلاد ستفتقر في المستقبل القريب إلى عددٍ كبيرٍ من أصحاب الكفاءة في تخصّصاتٍ عديدة.
مهارات أعدادها في تزايُد من سنةٍ إلى أخرى، تهجر الوطن نحو أوروبا والولايات المتحدة وكندا ودول الخليج، خصوصاً في تخصّصات الطب والصيدلة والهندسة، ما جعل النقابات المعنية تقرع ناقوس الخطر باعتبار أن تونس ستواجه خلال السنوات القليلة القادمة نقصاً في الكفاءات.

أرقام مُخيفة

وتنكَّب حالياً المنظّمات الوطنية والخُبراء على دراسة هذه الظاهِرة، إذ صرَّح في هذا الإطار وليد بوسعيدي، المُكلَّف بالإحصائيات في المرصد الوطني للهجرة لـ”الميادين نت” أن المرصد انطلق منذ أكثر من شهر بمعيّة خبير تونسي في القيام بدراسة حول هجرة الكفاءات التونسية انطلاقاً من مفهوم الكفاءة وتحليل الأسباب وتأثيراتها، وستقوم الدراسة بحسب مُحدِّثنا على حَصْرِ العدد الاجمالي للكفاءات التي غادرت البلاد.

وبحسب الوكالة التونسية للتعاون الفني، لا توجد إحصائيات دقيقة تخصّ هجرة الكفاءات التونسية إلى الخارج، لأنّ هذه الكفاءات تغادر البلاد بطُرُقٍ مختلفة، فمنها مَن يترك أثراً إدارياً في المؤسَّسات التونسية المعنية ومنها مَن لا يترك أثراً.

والجدير بالذّكر أنّ أولئك الذين يغادرون بالطُرُق الرسمية عبر الوكالة التونسية للتعاون الفني يمكن إحصاؤهم بشكلٍ دقيقٍ وهم عادة ما يعودون إلى أرض الوطن عند انتهاء عقودهم. وبلغ عددهم خلال السنوات الست الأخيرة، بحسب أحدث الإحصائيات، نحو 95 ألف تونسي، 78% منهم جامعيون وقد احتلَّت بذلك تونس المرتبة الثانية عربياً بعد سوريا.

الاختصاصات التي تجد رواجاً في الخارج هي الهندسة والطبّ والبحث العلمي والتعليم الجامعي، وكان النصيب الأوفر من عدد المهاجرين في صفوف الأساتذة الجامعيين والباحثين، الذين تصدَّروا المرتبة الأولى بنسبة 24% أي ما يُقدَّر بـ 25 ألف أستاذ استقرّوا خارج البلاد التونسية.

كما كشف المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية في دراسةٍ أجراها مؤخّراً أن 80% من الأساتذة الجامعيين ينوون الهجرة.

وبحسب نقابة اتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين “إجابة” فإن 60% من إطار التدريس في الجامعات التونسية، هم إطارات عرضية، وليسوا من الأساتذة الجامعيين القارّين بسبب هجرة الأساتذة وعدم وجود انتدابات جديدة في الوظيفة العمومية، بالإضافة إلى عدم وجود عقود عمل للدكاترة المُعطّلين عن العمل، ما انعكس، وفق “إجابة” على جودة التعليم وإفراغ الجامعة التونسية من كفاءاتها، وتقهقُر منظومة الجامعة العمومية.

هجرة الأطباء، تشهد بدورها ارتفاعاً مستمراً ومن المُنتظَر بحسب مُتخصّصين في الطب أن يبلغ عدد المهاجرين في صفوف الأطباء 1700 طبيب عام 2022، عِلماً أن الأطباء المُستهدَفين هم ثلاثة أصناف الأطباء الشبّان والأطباء أصحاب الخبرة التي تتجاوز خبرتهم العشر سنوات وأيضاً رؤساء الأقسام والكفاءات، وقد أشارت عمادة الأطباء إلى أن استقطاب رؤساء الأقسام في المستشفيات العمومية أصبح ظاهرة جديدة تشهد ارتفاعاً عاماً بعد آخر.

كما تفاقمت أيضاً ظاهِرة هجرة المهندسين التونسيين، إذ كشف عميد المهندسين أسامة الخريجي لـ “الميادين نت” أن ما لا يقلّ عن 3 آلاف مهندس يهاجرون تونس سنوياً أغلبهم اختصاصات “إعلامية”.

الأسباب

تعدّ البطالة أحد أهم أسباب هجرة الأدمغة، إذ يعاني نحو 1500 طبيب و5000 أستاذ من أصحاب شهادات الدكتوراه، من البطالة، كما تجاوزت البطالة في صفوف المهندسين الـ10 آلاف مهندس بحسب العميد أسامة الخريجي.

ولاحظ العميد في هذا السياق، أن الأسباب المادية هي إحدى أبرز دوافِع هجرة المهندسين التونسيين، مُشيراً إلى أن الظرف الاقتصادي الصعب الذي مرَّت به البلاد خلال السنوات الأخيرة وما انجرّ عنه من تراجُعٍ في القدرة الشرائية وتراجُع في قدرة المؤسَّسات على الاستيعاب، دفع بالمهندسين إلى الهجرة.

وأشار الخريجي إلى أن البلاد التونسية اليوم عوَض أن تصدِّر منتوجات المهندسين فهي تصدِّر المهندسين أنفسهم، داعياً الحكومة إلى ضرورة التعاطي بجدّية من أجل تحفيز الكفاءات وتحسين ظروف ومناخ عملهم.

ويذكر تقرير لعمادة المهندسين أنّ مُعدّل أجور المهندسين في المغرب يساوي 4 أضعاف متوسّط أجور المهندسين في تونس وفي الأردن يساوي الضعف.

وفي بلدان الاستقطاب مثل فرنسا وبلجيكا وكندا يساوي الأجر 6 أضعاف ونصف الأجر في تونس.

من جهتها، أرجعت نقابة اتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين، أسباب لجوء الأساتذة الجامعيين والباحثين إلى الهجرة نحو الدول العربية والخليجية وحتى الأوروبية والاستقرار فيها للعمل هناك إلى صعوبة وضعيّتهم المادية، مُشيرة إلى أن أجور العديد من الموظفين المُشتغلين في قطاعات أخرى أعلى بكثير من أجور الجامعيين.

كما تعود أسباب النَسَق التصاعُدي لهجرة الأطباء، وفق عمادة الأطباء، إلى صعوبة النجاح في المُناظرات الوطنية، وأيضاً ظروف العمل التي تكون أفضل في الخارج إلى جانب الأجور المُغرية، والتي تبلغ أضعاف أجور الأطباء في تونس بـ10 و15 مرة.

هل من حلول؟

أمام إفراغ البلاد التونسية من طاقاتها فإن الهياكل المعنية باتت اليوم تبحث عن حلول لوقف هذا النّزيف.

ويتّفق الباحثون على ضرورة القيام بإجراءات مثل تغيير السياسات الوطنية في مجال البحث العِلمي والتكنولوجي لتصبح البيئة الوطنية جاذِبة للكفاءات وبعث أقطاب للبحث العلمي والتّجديد التكنولوجي، ودعم التّعليم الجامعي وتطويره وإعطاء الكفاءات المكانة التي تستحق سواء بالترفيع في أجورهم أو بدعـم بحوثهم وتشريكهم في كلّ الأنشطة ذات العلاقة.

كما تدعو عمادة الأطباء، إلى ضرورة تحسين المنظومة الصحية في القطاعين العام والخاص وتطوير معدَّات العمل وتهيئة ظروف مُلائِمة لعمل الطبيب، بما فيها تأمين الإطارات الطبية من الاعتداءات اللفظية والمعنوية التي يتعرَّضون لها يومياً في كامل ولايات الجمهورية عبر سنّ قانون يحميهم.

image_pdf
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.