موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

تقريراتفاقية سيداو: جدل واسع بين الشيطنة والوعي

176
image_pdf

سادت حالة واسعة من الجدل في أوساط المجتمع الفلسطيني، خلال الأيام الماضية، حول تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”، حيث بدأ النقاش من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى الجامعات والمؤسسات، إلى أن أصدرت عشائرُ فلسطينيّة بيانًا في ذلك.

هذا الجدل، جاء عقب قرار بقانون أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حيث حدّدَ فيه سن الزواج للجنسين بثمانية عشر عامًا، ويستثنى منه حالات محددة بقرار من المحكمة المختصة.

واعتبر القرار أنه بدايةٌ لتطبيق اتفاقية “سيداو” التي انضمت لها فلسطين، في الأول من أبريل/ نيسان 2014، دون إيراد أي من التحفظات على موادها.

وقد بدأ الجدل بعد إصدار ما تُسمى “كتلة الوعي” التابعة لحزب التحرير، في مجموعة من جامعات الضفة الغربيّة، مقطعًا مصوّرًا، يتحدث فيه عن خطر اتفاقية “سيداو”، وما ستؤدي إليه من أضرارٍ في المجتمع الفلسطيني، وفق زعمها.

الأمر لم يتوقف على ذلك، فسرعان ما انتشرت القضية، لينشُر العديدين آرائهم حول الاتفاقية، ولتعرّي جانب احترام الحريات والحقوق لدى الكثيرين، الذين رفضوا الاتفاقية، بدعوى “مخالفتها لتقاليد المجتمع الفلسطيني والدين الإسلامي”.

معارضو الاتفاقية، قالوا إن هناك موادًا تتعلّق بالزنا والمثلية الجنسية وزواج المسلمة من غير المسلم، فيها، وردًا على ذلك، أصدرت المحكمة الدستورية العليا في فلسطين، قرارًا قالت فيه إن “أي تعارض للاتفاقية مع الهوية الوطنية، لا يُلزم تطبيقها”، وذلك عام 2018.

حمايةٌ وانصاف للمرأة

وطالبت مؤسسات حقوقية ونسوية، بتطبيق الاتفاقية ونصوصها “تطبيقًا حرفيًا”، من أجل توفير الحماية والإنصاف للنساء، ومن أجل وضع تشريعاتٍ أكثر صرامة لحماية النساء من العنف، مع تصاعد حدة الجرائم بحق النساء في الضفة الغربية وقطاع غزّة.

واعتبرت أربع منظمات حقوقية فلسطينيّة أنّ “انضمام فلسطين لاتفاقية سيداو إنجازا مهما وخطوة باتجاه الارتقاء بحالة حقوق الانسان في البلاد”.

والمنظمات الأربعة هي: الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، والاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ومجلس منظمات حقوق الإنسان، وشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية.

وطالب بيان المنظمات، بضرورة قيام الحكومة الفلسطينية “بالإسراع بنشر الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان التي انضمت إليها دولة فلسطين، خاصة اتفاقية سيداو، في جريدة الوقائع الرسمية الفلسطينية (تنشر فيها القوانين والمراسيم)”،كما أكدت “ضرورة استكمال عملية الإصلاح القانوني بمواءمة التشريعات النافذة مع مضمون الاتفاقية”.

وحثت المنظمات الأربعة في بيانها على “فتح حوار مجتمعي يضم جميع الأطراف ذات العلاقة، لمناقشة أية قضايا تتعلق بمواءمة التشريعات الوطنية مع متطلبات الاتفاقية والاسترشاد بتجارب دول عربية وإسلامية عديدة (دون تسميتها) في ذلك”.

لكنّ الصدمة، أنّ نقابة المحامين الفلسطينيين، أعلنت يوم الأربعاء الماضي، رفض تطبيق ونشر اتفاقية “سيداو” بشكلها الحالي دون أي تحفظات، حيث اكدت على “وجوب التقيد بما جاء في قرار المحكمة الدستورية العليا، بشأن تطبيق الاتفاقيات الدولية على نحو لا يتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية”.

العشائر تُهدد!

أمّا عشائر الخليل، فقد أعلنت مساء السبت، وفي اجتماعٍ خاصّ بـ “اتفاقية سيداو”، في ديوان آل التميمي، رفضها لتطبيق الاتفاقية، مؤكدين على “البراءة التامة من اتفاقية سيداو وكل ما يترتب عنها”.

وطالب بيان العشائر “السلطة الانسحاب من الاتفاقية وإلغاءها”. بينما تزيد مُصيبة هذا البيان بـ “الدعوة إلى إغلاق جميع المؤسسات النسوية وما يدور في فلكها بفلسطين وهي بالمئات والدعوة لإلغاء عقود إيجارها”، ولتزيد على ذلك أن “من يؤجرهم فهو شريك لهم في الجريمة”.

كما قرّرت العشائر منع المؤسسات النسوية ومندوبيهم من الدخول إلى المدارس بكلّ مستوياتها، محملين المسؤولية كاملة لمدراء المدارس حال مخالفة ذلك، محذرين في الوقت ذاته القضاة من الالتزام بقرار تحديد سن الزواج والقبول والعمل به.

وتابع البيان “نحذر وسائل الإعلام من السير في تغطية تلك النشاطات الخاصة بالجمعيات والمؤسسات “المشبوهة” والانحياز إلى أهل وعشائر فلسطين”، كما قرروا العمل على تنظيم مسيرة ووقفات احتجاجية خلال الأيام المقبلة.

بين الشيطنة والوعي

وبدا أن الجمهور الفلسطيني على وسائل التواصل الاجتماعي، قد انقسم حول الرأي من الاتفاقية والدخول فيها، فالكثير من المغالطات التي يجرى نشرها والترويج لها من قبل “من شيطنوا الاتفاقية”، أثرت على آراء الآلاف، بينما كان هناك رأي آخر، واعٍ قد تحدث عن الاتفاقية ودعمها.

أحدهم قال إن “اتفاقية سيداو، هي استيراد للدعارة الغربية وشرعنة لهتك الأعراض والزّنا والإجهاض.. هذه الإتفاقية هي هدم لكلّ القيم والأخلاق التي انتمت إليها أمّتنا منذ 1400 عام”.

وآخر قال إن “السلطة الفلسطينية هي الدولة الوحيدة التي وقعت على اتفاقية سيداو دون أي شروط. أرأيتم لماذا تم استغلال قصة اسراء غريب؟ أرأيتم ماذا يريدون من مجتمعاتنا ؟ الى اين نمضي؟”.

وتعليقًا على قرار العشائر، قالت أسماء الشرباتي إنه “على العائلات أن تدرك أن اجتماعاتها حتى تحدث أثرا طيبا يجب أن تكون مدروسة جيدا.. وفيها برنامج واضح حول المطالب.. ودراسة موضوعية لبنود الاتفاقية بكل ما فيها من تحفظات ونقاط إيجابية أيضا .. ويحمل تفسيرا واضحا لسبب الغضبة تجاه الاتفاقية.. ويحمل تفسيرا واضحا للمخاوف المرتبطة بقراءة بعض المؤسسات لهذه الاتفاقية”.

وأضافت “من يعلو المنصة يجب أن يكونوا هم من الخبراء والخبيرات في الجانب الشرعي والحقوقي.. ومن يقوم بصياغة البيان أيضا شخص يدرك جيدا مضامين خطابه”.

وعلى الجانب الآخر، قام سمير زقوت، نائب مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان، بسردٍ لمجموعة من قواعد الاتفاقية ونصوصها، التي تؤكد على الانصاف بين المرأة والرجل، والتي تعطي حقوقًا للمرأة، في الخدمات الاجتماعية والعمل والزواج والحق في الصحة والأجر وغيرها.

وقال زقوت “استفزني التشويه وقلب الحقائق، فـ (سيداو) لا تتطالب إلا بمساواة المرأة بالرجل ولن ينهض مجتمعنا العربي وعالمنا الإسلامي دون أن تحصل المرأة على المساواة وأن تتمتع بحقوق الإنسان كافة، وكفى استخداماً للدين دفاعاً عن مصالح سياسية أو ذكورية”.

أمّا الحقوقي مصطفى إبراهيم، فقد تساءل “ليش زعلانين من اللي يهاجموا اتفاقية سيداو، فهم مكون من مكونات النظام السياسي الفلسطيني المشوه، وهذا طبيعي من مجتمع يرزح تحت الاحتلال. مجتمع ونظام سياسي قبلي قمعي وعنيف، ولديه قدرة عالية على إسهال التوقيع على الاتفاقيات الدولية بدون تحفظ وإسهال إصدار قرارات رئاسية بقوانين، وليس لديه القدرة على احترامها ويطوعها للحفاظ على نفسه من شعبه، وعاجز عن توحيد نفسه، ولا يستطع اطعام الناس خبز بل يعاقبهم بتجويعهم”.

وأضاف في منشورٍ آخر “إمارة العشائر في الضفة الغربية تتحدى السلطة والقانون، وتعقد اجتماعاتها التي تدعو للقتل علانية، متمردة على السلطة وسيادة القانون وباقي مكونات المجتمع، وتحرض على العنف والكراهية، وحرية الراي والتعبير والحرية الشخصية، وتتحدث باسم الدين والفضيلة في تحالف غريب مع بعض القوى الدينية (..)، وهي من تتنكر لمنح النساء حقوقهن في الميراث وتجبرهن على الزواج كرهًا، والسلطة الوطنية والحكومة لا تحرك ساكنا.”.

ثلاثة بالمئة فقط!

هذا الجدل، والخلاف الكبير، يأتي بعد أيامٍ قليلة من تصريح وزيرة شؤون المرأة الفلسطينية أنّ 3 بالمئة، فقط من النساء الفلسطينيّات، حصلن على حقوقهن الشرعية والقانونيّة في الميراث، كما يأتي مع استمرار مسلسل الجرائم ضد النساء، والتي تصاعدت خلال هذا العام، بشكلٍ مُخيف ومخزٍ.

وفيما يُعارض العديد الاتفاقية، لا يُلقون اهتمامًا لعشرات النساء اللواتي قُتلن على أيدي أزواجهنّ وأهلهنّ، وكُن ضحيةً لعقلية العشائرية المتمسكة بالتقاليد، دون أيّ مرونةٍ، أو استيعابٍ لأن هذه التقاليد قد تتعارض مع تطوّر الزمن، أو مع الحقوق والحريات التي لا يجوز سلبها من أيّ شخص.

ونتيجةً لهذه العقلية، يجري الترويج إلى اتفاقيةٍ تُنصف المرأة وتسعى إلى إعطائها -بعض حقوقها- في مجتمعٍ لم يُجبره الدين والقانون على ذلك، على أنها “شيطانٌ يسعى لإفقاد النساء شرفهنّ ويسعى للانقضاض على عِرض المُجتمع”، فإلى متى يستمر مُسلسل التجهيل وتعطيل التفكير، تحت حُجج القواعد الثابتة وعادات القبيلة؟

 

المصدر : الهدف – بقلم : جميل مقداد

image_pdf
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.