موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

أغتيال انطون سعادة ” مؤامرة دولية نفذتها الصهيونية بأدواتها الرجعية

75
image_pdf

أنطون سعادة | حارب الطائفية والرجعية والصهيونية  وقاوم المشروع الصهيوني في الشرق ، فأغتالوه فجر الثامن من تموز عام 1949 واليوم في ذكرى استشهاده نقدم سردا ً تاريخيا ً لظروف وحيثيات عملية الأغتيال التي أعتبرت أقذر عملية أغتيال سياسي في العصر الحديث وأسرع محاكمة وتنفيذ لحكم ، حيث استغرقت المحاكمة وتنفيذ الحكم أقل من 24 ساعة.


أن اغتيال زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي كان مخططاً رُسم بعناية وحبكت خيوطه بدقة في اكثر من عاصمة عربية ودولية، فكما تمت تصفية الامة السورية عبر تقسيمها وإقامة الكيان الصهيوني فيها، كان لا بد من تصفية الحزب الذي يعمل ويقاتل لتوحيدها وجعلها دولة عظمى، لأن انتصاره يعني زوال “إسرائيل”.. في هذا الصراع استشهد أنطون سعاده  لكن الصراع ما زال مستمراً.

كيف تسلسلت الاحداث من يوم عودة الزعيم الى الوطن الى ساعة تنفيذ الاغتيال؟

معروف ان سعاده وصل الى بيروت في 2 آذار سنة 1947، واستقبلته حشود هائلة من القوميين والمواطنين لم يكن الشرق كله قد شهد حشداً اضخم منها، لا من حيث العدد ولا من حيث التنظيم ولا من حيث الاماكن التي جاء منها الناس يتوافدون قبل عدة ايام ويفترشون الارض بانتظار القائد المفدّى والهادي.

كانت الحكومة اللبنانية ومن ورائها حكومات الدول الراعية لـ”اسرائيل” تراقب بقلق، فازداد قلقها عندما أعلن سعاده العودة الى ساح الجهاد والاصرار على انقاذ فلسطين، وعلى القضية السورية القومية ورفض تقسيم سورية الطبيعية. وعلى الفور قررت تلك الحكومات مطاردة الحزب والزعيم، فما ظهر منه هو غير المتفق عليه والذي على أساسه تم قبول الحكومة بعودته. وهكذا صدرت بحقه مذكرة توقيف لكنه رفضها واعتصم في الجبال ما بين ضهور الشوير والغرب، يحرسه رجال حزبه ويحتضنه أبناء الشعب الاوفياء. وتمر ستة اشهر قبل ان تضطر الحكومة الى سحب مذكرة التوقيف، وإلغائها في مطلع شهر تشرين الاول 1947، لكن الاحداث داهمت الحزب، ففي 29 تشرين الثاني من العام نفسه أصدرت الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين، وهو ما اعتبره سعاده خطراً جدياً داهماً، فأعلن التعبئة العامة الجهادية في صفوف الحزب ودعا الشعب الى الانتظام في فرق قتالية تحت راية الزوبعة للقتال في فلسطين.. وهو ما عرف بالـ “بلاغ بشأن فلسطين” الذي صدر في اول كانون الأول 1947.

لقد بدا أن الحرب الفاصلة قد أصبحت على الابواب، فالاعمال الحربية جارية على أرض فلسطين والمجازر الصهيونية تتوالى، وعصابات اليهود تفترس الأرض، وتشكل جيش الإنقاذ، ووقعت الحرب في ربيع سنة 1948، وقاتل القوميون في فرقة الزوبعة لكن تآمر الملوك والرؤساء العرب أدى الى وقف القتال لمنع انهيار القوات الصهيونية وإلى الانسحاب من فلسطين وتركها لليهود فقامت دولتهم في 15 أيار وهو ما يعرف الى اليوم بـ”يوم النكبة”. كان الحزب قد حشد عدداً كبيراً من مقاتليه الذين تجمعوا في الجنوب لكن جيش الانقاذ لم يسلمهم السلاح المتفق عليه، وظهر وقتها شعار “لا سلاح للقوميين”. أدرك سعاده أن الكارثة وقعت وفهم تآمر الرجعة مع المشروع الصهيوني ومقدار الخطر، لكنه لم ييأس بل قرر المواجهة بحزبه منفرداً. ولذلك أنشأ مدرسة سرية لتعليم فنون القتال من أجل ان يبني ضباطاً وجنودا يقومون بمهمة التحرير. واعتمد على الضباط القوميين الموجودين في جيوش كيانات الوطن السوري. وفي ربيع سنة 1949 هاجم اتفاقية النفط التي كانت لمصلحة امريكا وبريطانيا ودعا الى طرد المصالح الاجنبية والى استعمال سلاح النفط للضغط على الدول الراعية لليهود من أجل اجبارها على الحد من دعمها تمهيداً لإنهاء هذا الكيان الصهيوني الدخيل، وكان يقوم بزيارات واتصالات على مستوى عال لتامين بيئة سياسية وشعبية في الهلال الخصيب تحتضن عملية التحرير التي سيطلقها بعد اكتمال الاستعداد لها.

في اول حزيران 1949 اعلن سعاده من برج البراجنة في ضاحية بيروت، ان الدولة اليهودية الغريبة ستزول ليس بقفزة خيالية بل بما يعدُّه الحزب من إعداد حربي دقيق سيكون له القول الفصل في تقرير مصير المعركة، وختم بالقول “هذا ليس آخر جواب نعطيه لليهود، إن الجواب الاخير سيكون في ساحة المعركة متى قررت القيادة القومية العليا إعلان الحرب …”.

على الفور تحركت أدوات المخطط لتصفية الزعيم وحزبه ومقاومته، وبعد ثلاثة أيام وصل الى الشام موشي شاريت، وزير خارجية العدو، واجتمع مع حاكم الشام حسني الزعيم في بلودان، وقد ألبسوه ثياب ضابط في الجيش السوري برتبة مقدم، وهذا ما كشفه ضابط المخابرات السوري سامي جمعة في كتابه “أوراق من دفتر الوطن “، وكان رياض الصلح على علاقة مع شاريت، وكذلك حزب الكتائب اللبنانية، وهكذا انطلقت عملية التنفيذ، بعد أربعة أيام من هذه الزيارة السرية.. فتم افتعال “حادثة الجميزة ” في بيروت مساء 9 حزيران 1949، حيث كان الزعيم في مكتب جريدة الجيل الجديد، وكان مقرراً ان يقتل في الاشتباك الذي ستقوم به مجموعة من الكتائبيين مع الرفقاء القومينن هناك، لكن الزعيم تمكن من الخروج بسلام، ما دفع رياض الصلح الى الجنون فقرر حل الحزب واتهمه بأنه يعد لإنقلاب، وبدأ الجيش والشرطة عمليات مداهمة واعتقالات وتنكيل بالقوميين، فانتقل سعاده من بيروت إلى عاليه ثم إلى البقاع ودمشق، وفي هذا الانتقال إلتباس ستكشفه الابحاث لاحقاً، لكن ما هو أكيد أن الحكومة اللبنانية لم تكن ترغب في اعتقال الزعيم في لبنان لأنها لا تملك سبباً ضده يؤدي إلى الاعدام.

في دمشق اجتمع سعاده بحسني الزعيم الذي أعطاه التشجيع والأمان وأخبره عن مدى انزعاجه من الحكومة اللبنانية، وفي الوقت عينه كانت حملة القمع والتنكيل بالقوميين تتصاعد في لبنان وراح بعض المسؤولين الحزبيين يراسلون الزعيم الى دمشق طالبين منه أن يقوم بعمل عسكري لإنقاذ الحزب من التنكيل، ويؤكدون له أن القوات الحزبية قادرة ان تتحرك عسكريا بشكل كبير، وتلقى سعاده وعوداً من حسني الزعيم بالدعم الكامل بالسلاح والتغطية المباشرة إذا لزم الامر، لكن الوعود كانت فخاً وكان بعض الضباط السوريين المخلصين يلاحظون أن في الأمر مؤامرة، ولفت أحدهم، وهو العقيد بشّور، نظر بعض مساعدي الزعيم إلى ذلك، لكن سعاده كان قد أعلن الثورة القومية الاجتماعية الاولى في 4 تموز وانطلقت العمليات العسكرية في لبنان فاحتل القوميون بعض المخافر العسكرية وتقدمت قوات من الشام عبر البقاع الغربي بقيادة الشهيد الصدر عساف كرم والرفيق زيد الأطرش لكنها فوجئت بالجيش اللبناني يطوقها ويحاصرها اذ أبلغ حاكم الشام السلطات عن تحركات القوميين وأماكن تقدمهم، كما فوجئوا بأن الاسلحة التي أعطيت لهم فاسدة فسقطوا ما بين شهداء وأسرى بيد الجيش اللبناني. وهكذا فشلت الثورة ولكن حكم الاعدام كان قد أصبح جاهزاً واكتملت خيوط اللعبة. فقام حسني الزعيم بتسليم أنطون سعاده الى السلطة اللبنانية، التي رغبت في تصفيته على الطريق بين دمشق وعنجر، لكن الضابط المكلف بذلك لم ينفذ المهمة القذرة بل أوصله الى بيروت، فصعق رياض الصلح وسارع الى إجراء محاكمة عسكرية سريعة لم يشهد التاريخ مثيلاً لها، وفي أقل من 24 ساعة تمّ التحقيق مع سعاده والمعتقلين وتمت المحاكمة من دون دفاع وصدر حكم الاعدام وتمّ تصديقه، ونفذ في الساعات الاولى من فجر الثامن من تموز 1949، على رمل بيروت لجهة منطقة الجناح.

أنطون سعادة في المحكمة ليل الثامن من تموز 1949

هكذا تمت تصفية انطون سعادة والقضاء على أول مقاومة منظمة للكيان الصهيوني، لكن القوميين لم يستسلموا بل دكوا رؤوس المؤامرة في بيروت ودمشق وقضوا على كل من شارك في تنفيذ اغتيال زعيمهم وحزبهم، أما الدول الراعية للكيان اليهودي الصهيوني فما زالت تحرس هذا الكيان وتمدّه بكل أنواع الدعم المادي والعسكري والسياسي وتعمل على القضاء على اية مقاومة جدية تهدده. والصراع ما زال مستمراً.

هذه باختصار قصة اغتيال سعاده، ولقد كتب عنها الكثير وربما سيكتب أيضاً كتبٌ أخرى وتظهر تفاصيل جديدة، عن اشخاص وأدوار لعبت في هذه المؤامرة الدولية والاقليمية الكبيرة والخطيرة.

خبر أعدام انطون سعادة صباح الثامن من تموز 1949

ومما نقل عن آخر لحظات حياته مابين المحكمة والزنزانة وساحة الأعدام ، قال بعض الشهود نقلا ً عنه :

أثناء المحاكمة :  نظر إليه عزيز المصري رئيس المحكمة الشكلية وابتسم وقال موجها كلامه لأنطون سعادة (زعمت الزرازير أنها ستكون نسورا)، فرد عليه أنطون سعادة  (اصمت يا عبد العبيد في قلوب النسور شموخ وهي تحتضر وفي قلوب الزرازير خنوع وهي تحلق) .

أثناء تنفيذ الأعدام :  أجبروه على أن يجثو ركبتيه ليقوموا بإعدامه أحس بحصى تحت إحدى ركبتيه تؤلمه فطلب من الجلاد أن يبعدها من تحت ركبته فقام الجلاد بإبعادها فقال أنطون سعادة له :شكراً  ، شكر جلاده لمجرد قيامه بإبعاد حبة الحصى رغم أن الجلاد سيطلق النار عليه بعدها بلحظات ، شكره ولم يتخلى عن اللباقة حتى في تلك اللحظة .

أثناء تنفيذ حكم الأعدام : عندما أرادو ربط عينيه قال لهم لا أريد ، فقال له الجلاد أنه القانون فأجاب سعادة : أنا أحترم القانون ، ظل يحترم القانون حتى آخر لحظة في حياته ، ذاك القانون الذي أعدمه دون وجه حق.

 

image_pdf
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.