موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

دراسة | الجنوب السوري والتنف |

397
image_pdf

يتمتعُ الجنوبُ السوري بأهميّةٍ استراتيجيةٍ خاصةً مدينتي (درعا – القنيطرة) بسببِ موقِعِهما الجُغرافي الحدودي مع (الأردن – فلسطين المحتلة  – لبنان) ولقُربِهما من مدينةِ (دمشق)، كما يضمُ الجنوبُ السوري أيضاً معبرِ التنف والذي يعتبرُ مثلثاً جغرافياً استراتيجياً ذو حدودٍ مشتركةٍ مع (الأردن – العراق) ويعتبرُ عُقدةَ مواصلاتٍ إقليميةٍ تربطُ (لبنان – فلسطين المحتلة  – سوريا – الأردن – العراق – إيران) مع دول الخليج.

وفي الآونةِ الأخيرةِ باتتْ المعاركُ السياسيةُ والعسكريةُ في الجنوبِ السوري تحتدِمُ ، لتنذرَ بصيفٍ حامٍ في ظلِ تصريحاتِ النظامُ السوري وحلفائِه عن تحضيراتٍ لمعركةٍ عسكريةٍ قادمةٍ، حيث تُعتبر المنطقة الجنوبية من “مناطق خفض التصعيد” التي نصَّ عليها اتفاقُ أسِتانا 4، والمعروفةُ جُغرافياً (القنيطرة – درعا – السويداء)، والتي تشهدُ العديدَ من التداخُلات في السيطرةِ ما بين قواتِ النظامِ والمليشياتِ المواليةِ له من جهةٍ، والفصائلِ المسلحةِ من جهةٍ أخرى، مُتزامناً مع صراعِ القوى الإقليميةِ والدوليةِ على توسيعِ رُقعةِ نُفوذِهِم والذي باتَ أكثرَ ضراوةً خاصةً بعدَ تقلُصِ تواجد داعش على الأراضي السوريةِ مُشكِلاً بدورهِ فراغاً جغرافياً واسعاً.

لذا توجبَ علينا أنّ نعرفَ ما أسبابِ أهميةِ الجنوبِ السوري و التنف لهذه القِوى المُتصارعةِ عليهِ؟

مع تسارعِ الاتصالات للوصولِ إلى ترتيباتٍ عسكريةٍ حول الأوضاعِ في الجنوبِ السوري ومحاولات إبعادِ إيران وميلشياتها عن الجنوبِ، لذلك في الآونةِ الأخيرةِ عرضَ مساعدُ نائبُ وزيرِ الخارجيةِ الأميركيةِ ديفيد ساترفيلد ورقةَ عملٍ تم طرحُها على كلٍّ من (روسيا – الأردن – تركيا) و وردَ فيها:

  • انسحابُ جميعُ الميليشيات السورية وغير السورية (إشارةً إلى الميليشيات الإيرانية) إلى عمقِ 20 – 25 كم من الحدودِ الأردنيةِ (لِما لهذه المنطقةِ من أهميةٍ استراتيجيةٍ لدى إيران والتي تستخدِمُها كورقةٍ ضغط ضدَ إسرائيل وبالتالي الضغط على المجتمعِ الدولي لتنفيذِ أجنداتِها في المنطقةِ).
  • نقلْ مُقاتلي المعارضة وأُسرِهم إلى إدلب شمالِ سوريا بعدَ أن يُسلموا أسلحتِهم الثقيلةِ إلى روسيا.
  • عودة قوات النظامُ السوري إلى الحدودِ الأردنية وعودةُ المؤسسات الحكومية إلى مدينة درعا.
  • إعادة فتحْ معبر نصيب بين (سوريا – الأردن)، (وهو الأمر الذي تلحُّ عليه الأردن بسببِ العائداتِ الجمركية لهذا المعبر والتي تُقدر بنحوِ نصف مليار دولار سنوياً)، (وعلينا ألّا ننسى أن روسيا تسعى أيضاً لفتحِ هذا المعبر إذ لاتزالُ هناك اتصالات بين الجانبين (التُركي – الروسي) لاستكمالِ فتح طريق (غازي عنتاب – حلب – دمشق) والذي يصلُ الطريق برياً بين تركيا والحدود الجنوبية لسوريا مع الأردن (غازي عنتاب – جرابلس – الباب – حلب – دمشق – درعا – الأردن).
  • توزيع نقاط للشُرطةِ العسكريةِ الروسيةِ مع تشكيل آلية (أميركية – روسية) لمراقبةِ تنفيذ هذه البنود.

وعلى أساسهِ باتت المفاوضات تجري على قدمٍ وساق بين (إسرائيل – روسيا) من جهة و(أميركا – الأردن) من جهةٍ أُخرى، وذلكَ لبحثِ الترتيباتِ المُتعلقةِ بمنطقةِ الجولانِ السوري والجنوب حيثُ تبادل كلًّ مِن وزيري الدفاع الاسرائيلي والروسي في موسكو الخرائطِ العسكريةِ لإبعادِ التنظيمات التي تدعمُها إيران إلى ما وراء محور (دمشق – السويداء) وإبقائِها  بعيدة عن السيطرةِ الإيرانيةِ وحزبُ الله بسبب إطلالتها الجُغرافية على إسرائيل مع توفيرِ ضماناتٍ بِعدم عودتهم، وتشكيل آلية للمُراقبة إما (أميركية – روسية) أو (روسية – إسرائيلية)، وذلك مقابل عودة قوات النظام السوري إلى ثلاثِ نُقاط:

  • تل الحارة والتي تعد أعلى تلة ذات بعد استراتيجي عسكري.
  • بُصرى الحرير في ريف درعا.
  • معبر نصيب الحدودي مع الأردن.

بالتزامن مع عودةِ قواتِ الأمم المتحدة لفكِ الاشتباكاتِ وهي قوة دولية لمراقبة الهُدنة العسكريةُ بين (سوريا – إسرائيل) والتي تأسستْ في أعقابِ حربِ تشرين عام 1973، حيثُ لقيت هذه المفاوضات ترحيبٌ روسي وذلك لإضعافِ النفوذ الإيراني لصالِحِ مُكتسباتِها.

حيثُ أعلنت قاعدة حميميم أنَّ الاتفاق المُبرم بخصوص جنوبِ سوريا نص بشكلٍ واضحٍ على “انسحابِ القواتِ الإيرانيةِ المساندةِ للقواتِ الحكوميةِ السوريةِ في المنطقةِ وانتقالُها إلى العُمقِ السوري بعيداً عن الحدودِ الجنوبيةِ للبلاد، ونتوقع تنفيذ ذلك خلال أيام معدودة”، لذلك شهدتْ الأيامُ الأخيرةُ إعادةَ انتشارٍ التنظيماتِ التابعةِ لإيران حيثُ تراجعتْ الميليشيات الإيرانية وحزب الله من 4 إلى 5 كم إلى بلدتي (نبع الفوار – حمرين)، كما تمَّ أيضاً تحجيمٌ للنفوذِ الإيراني في مطارِ الضبعةِ العسكري والذي يقع شمال شرق مدينة القصير التابعة لحمص وذلك لطمأنةِ إسرائيل، حيثُ باتَ واضحاً أنه يوجد ضغطٌ روسيٌ على إيران وذلك لتنفيذ التزاماتِها تجاه الولايات المتحدة في اتفاقيةِ (ترامب – بوتين) دانانغ الفيتنامية للحدِ من التمددِ الإيراني، خاصةً بعدَ الانسحاب الأميركي من الاتفاقِ النووي متزامناً مع التصعيدِ الإسرائيلي غيرِ المسبوقْ لضرباتِها العسكريةِ ضدَ مواقِع الميليشيات الإيرانية.

وهنا باتِ من الواضحِ وللمرةِ الأولى أنهُ يوجد توافقٌ دولي وإقليمي على الرغمِ من مصالحِهم المتضاربةِ منذُ بداية الأزمة السورية إلى اليوم بأن عودةَ النظام إلى الجنوبِ السوري ما هو إلا الخيارُ الأفضل لجميعِ الأطراف، شريطةِ إبعاد إيران وميليشياتُها وحزبُ الله، لأنَّ تمركُزُهم في هذه المنطقةِ الإستراتيجية ليسَّ إلا تهديداً مباشراً لأمنِ إسرائيل القومي، كما تَعتبر الولايات المتحدة أنها بهذه الإجراءات تكون قد منعتْ أو خففتْ من النفوذِ الإيراني لأنها على يقينٍ تام أنه من الصعبِ إخراجُ إيران دفعةٌ واحدةٌ من سورية خصوصاً بعدَ تَغلغُلِها في الأراضي السوريةِ خلال إدارة أوباما السابقة.

وبنفس الوقت تُسيطرُ الولاياتُ المتحدةُ على معبرِ التنف ضمنَ جيبٍ عسكريٍ بدائرةٍ قُطرُها 55 كم، حيثُ يحظَّر البنتاغون الاقترابُ منها تحتِ طائلةُ التدميُر الكامل، لما لهذا المعبر من أهميةٍ استراتيجيةٍ باعتبارهِ ممراً بريّاً (شرقي – غربي) يمتدُ من (إيران إلى لبنان) وفي حال سيطرة إيران على هذا المعبر سيسهلُ عليها مهمتها في الإمداداتِ العسكريةِ (طهران – بغداد – دمشق – بيروت) وتحقيق حُلمها في مشروعِ الهلالِ الشيعي، لذلك على الأغلب الولاياتُ المتحدةُ لن تنسحِبَ من التنفِ بسهولة ولن تتنازلَ عنهُ لإيران وحلفائِها، ولكي يتُم تحديدُ مصيرُ هذه المنطقةِ يجب أن تجري عليها مفاوضاتٍ واسعةُ النطاقِ.

هل هُناكَ حربٌ تلوحُ في أفقِ الجنوبِ السوري؟

يعتبرُ وجودُ إيران والميليشيات التابعةِ لها جزءاً من التوترِ في المنطقةِ، حيثُ تطالبُ إسرائيل بانسحابِ إيران و ميليشياتها من الجنوب ومن جميع الأراضي في سوريا، خوفاً من تحولِ المنطقةِ إلى موقعٍ عسكريٍ متقدمٍ لإيران يهددُ من خلالِهِ أمنَها القومي، حيثُ تُراقبُ تل أبيب بقلقٍ شديدٍ التطوراتِ المتسارعةِ في الجنوبِ السوري خاصةً بعد حشدِ النظامُ لقواتِهِ تمهيداً لمعركةِ الجنوبِ والتي يعتبرُها النظامُ السوري معركةً هامةً لعدةِ أسباب:

  • المعارضة المسلحة تسيطرُ على 70 بالمئةِ من مدينتي ( درعا – القنيطرة)، لذلك يتوجبُ على النظامِ تأمين حمايةِ مدينةِ دمشق من جهةِ الغوطةِ الغربية.
  • قطعُ الطريق بين درعا وهضبة الجولان والذي بدوره سيدعمُ ويعزز قوة النظام في معركةِ درعا.
  • كشفُ ازدواجية سياسة الأردن في محاربتها لمرتزقةِ داعش وغضِ نظرِها عن مرتزقةِ جبهة النصرة المتواجدةِ على حدودِها.

وفي المقابلِ أكدتْ الأردُن على أهميةِ الحفاظِ على اتفاقِ منطقة خفضِ التصعيد في الجنوبِ السوري الذي تمَّ التوصل إليه من خلالِ محادثاتٍ ( أردنية-  أميركية – روسية)، وأن الأردن ملتزمٌ بالاتفاقِ ومستمر في العملِ مع ( الولايات المتحدة – روسيا)، حيثُ وضّحَ الصفدي وزيرَ خارجيةِ الأردن في اتصالٍ أجراهُ مع  ديميستورا المبعوثُ الأُممي الخاص إلى سوريا صورةَ وضعِ الاتصالات والمساعي التي تُجريها المملكة الأردنية مع واشنطن وموسكو وذلك لضمانِ عدمِ تفجُّر القتالِ في الجنوبِ السوري وللحفاظِ على اتفاقِ خفضِ التصعيد مؤكداً أنَّ الدول الثلاث أكدتْ التزامَها بالاتفاقِ وضرورةِ حمايتِهِ وتنفيذِ بنودهِ.

إنَّ تطورِ المشهدِ في الجنوبِ السوري ليسَّ إلا نِتاجُ مخاضاتٍ في مسارِ العلاقاتِ (الأميركية – الإيرانية) الأخيرة، ومع الانتباه اليقظْ إلى المشهدِ الداخلي الإسرائيلي أي تحديداً للحكومةِ الإسرائيليةِ المقبلةِ على انتخاباتٍ مبكرةٍ في الفترةِ القريبةِ القادمةِ، والتي يسعى من خِلالِها بنيامين نتنياهو الذي لا ينافسهُ أيُ خصمٍ واضحٍ على الساحةِ السياسيةِ حالياً إلى إدخالِ عاملِ الخوفِ على الأمنِ القومي الإسرائيلي ضمنَ مخططٍ مُسبقٍ لبرنامجهِ الانتخابي، والتركيز على الخطرِ المحدقِ بهم من الجنوبِ السوري الذي يتواجدُ فيه الإيرانيون وحزبُ الله و ميليشياتهم، والعمل على تبييضِ صفحتهِ بعد أن حاصرتهُ تُهمِ الفسادِ والاحتيال واستغلالُ الثقةِ مروجاً بذلك لحملةٍ إنتخابيةٍ مُقبِلَةٍ على الأبواب

للقراءة والتحميل بصيغة PDF

المصدر : مركز روجافا للدراسات الاستراتيجية

المقال لا يعبر بالضرروة عن رأي الموقع 

image_pdf
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.