موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

سوريا وتركيا – قراءة في تاريخ الصراع

842
image_pdf

أصبحت سوريا جزءاً من الإمبراطورية العثمانية منذ دخول الأتراك إليها بعد معركة مرج دابق عام 1516، وعمل الأتراك تطبيق سياسة التتريك فيها لطمس هوية القوميات العربية والكردية، إلا أنها وطوال أربعة قرون لم تفلح في ذلك، وحين أفلت شمس الإمبراطورية العثمانية بعيد الحرب العالمية الأولى تقاسمت الدول الاستعمارية كبريطانيا وفرنسا تركة الرجل المريض، وكانت سورية من نصيب الاستعمار الفرنسي الذي أعلن انتدابه على سورية وفق قرارعصبة الأمم، ودخل الجنرال غورو إلى دمشق عام 1920 بعد مقاومة بطولية غير متكافئة بقيادة من وزير الحربية العميد يوسف العظمة الذي استشهد في ساحة المعركة في 24 تموز 1920، وكترضية لتركيا تخلت فرنسا لها عن لواء إسكندرون في 29/11/1939  وفق الاتفاقية والتي أطلقت عليها اسم “هاتاي”، واستمر الانتداب الفرنسي على سورية لحين إعلان الاستقلال في 17 نيسان 1946، واستمرت الخلافات بين الدولة التركية الحديثة التي أسسها كمال أتاتورك والدولة السورية، ونعتقد أن تلك الخلافات نابعة عن الأطماع التركية في أراضي الدولة السورية ورغبة السوريين في استعادة لواء إسكندرون، ويمكننا أن نسلط الضوء على ثلاث أزمات كبرى مرت بها العلاقات بين البلدين في العصر الحديث.

الأزمة الأولى :

شهدت العلاقات السورية التركية توتراً خطيراً عام 1957, إبان الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، حيث كانت  تركيا عضواً في حلف الناتو وجزءاً من منظومة المعسكر الرأسمالي، وقد شجعت الولايات المتحدة تركيا على شن ضربة عسكرية ضد سورية بسبب وجود اعتقاد بأن سوريا أصبحت في طريقها لأن تصبح دولة موالية للمعسكر الاشتراكي بعد أن وقعت اتفاقية قرض من الاتحاد السوفيتي، كما وقعت اتفاقية صداقة معه, فحشدت تركيا قواتها على الحدود وقام طيرانها بخرق الأجواء السورية مراراً. لكن تهديدات الرئيس السوفييتي خروتشوف بضرب تركيا بالصواريخ إذا ما أقدمت الأخيرة على أي عمل عدواني ضد سوريا حالت دون تنفيذ تركيا لتهديداتها، وانتهت هذه الأزمة في أواخر أكتوبر1957، عندما وافقت تركيا على وقف عملياتها الحدودية مع سورية إبان زيارة الرئيس خروتشوف غير المتوقعة للسفارة التركية في موسكو، والتي أذابت ثلوج الأزمة بين طرفي الصراع.

الأزمة الثانية :

رغم العلاقة البراغماتية التي كانت تربط بين نظام الرئيس الأسبق حافظ الأسد والنظام التركي بخصوص عدم إعطاء أي فرصة للكرد بحق تقرير المصير وذلك بإنشاء الحزام العربي في مناطق روج آفا شمالي سورية، إلا أن شهر العسل بينهما لم يدم طويلاً بفعل قيام تركيا بتقليص حصة سوريا من نهري دجلة والفرات وذلك بإقامة سدود ضخمة عليهما على حساب حصتي سوريا والعراق، ولذلك لجأ الأسد الأب إلى التحالف مع حزب العمال الكردستاني ودعم القائد عبد الله أوجلان في حربه ضد الدولة التركية لانتزاع حقوق الكرد المشروعة و التاريخية على أراضي كردستان والتي تحتلها تركيا، وقد استطاع الحزب أن يقض مضاجع الدولة التركية في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، ونعتقد أن العلاقة بين حزب العمال الكردستاني ونظام الأسد الأب كانت تخضع لمبدأ المصلحة المتبادلة لكل طرف, وفي أواخر التسعينات ونتيجة للتطورات الحاصلة في المنطقة وبخاصة بعيد طرد القوات العراقية من الكويت وفرض حظر اقتصادي على العراق لجأت تركيا إلى إعلان حالة الحرب على سوريا واتهامها رسمياً بإيواء القائد الكردي عبد الله أوجلان ودعم حزبه على الأراضي السورية، وقد تم تسوية الأزمة وبمبادرة من الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك تم خلالها موافقة الأسد الأب على مغادرة القائد أوجلان للأراضي السورية في 9 تشرين الثاني 1998، ونعتقد أن نظام الأسد الأب قد فقد آنذاك كامل أوراقه القوية أمام الهجمة التركية.

الأزمة الثالثة :

رغم العلاقة الطيبة التي كانت تجمع بين أردوغان والرئيس السوري بشار الأسد إلا أن انطلاق ثوارات ماسميت بالربيع العربي  في تونس ومصر وليبيا دفع أردوغان إلى الانقلاب على علاقته مع بشار الأسد وحول الثورة السلمية إلى ثورة مسلحة رغبةً منه في إحلال النموذج الإخواني في سوريا كما هو الحال في مصر وتسلم الإخوان للسلطة وما تلاها من انقلاب السيسي عليهم، ونعتقد أن سياسة أردوغان أصيبت بالفشل الذريع في سوريا ولا سيما بعد ” مشروع الإدارة الذاتية  في الشمال السوري، وبعد ظهور داعش قام التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بدعم قوات سورية الديمقراطية التي حررت مناطق شاسعة في الشمال السوري، ما دفع أردوغان إلى إعادة ترتيب أوراقه فتقرب من روسيا وإيران، وقايض حلب بجرابلس والباب كما قايض عفرين بالغوطة الشرقية، ورغم أن تركيا تدعي قدرتها في الحفاظ على تحالفها مع الولايات المتحدة وشراكتها مع روسيا وتعاونها مع إيران، إلا أنه من الصعب إقامة توازن بين هذا النسيج غير المتجانس، وسياسة تركيا القائمة على قدم هنا وقدم هناك ستبوء الفشل، وخاصة بعد تأييد تركيا للضربة الثلاثية على مواقع القوات السورية ، وهذا ما أثار حفيظة روسيا من جديد.

 

المصدر : مركز روج آفا للدراسات – المقال يعبر عن رأي الكاتب فقط 

image_pdf
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.