موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

تحليل سياسي للأوضاع الدولية والأقليمية والمحلية

980
image_pdf

توترت العلاقات بين روسيا و أوروبا الغربية وخاصة بريطانيا بذريعة تسميم الجاسوس سيرغي سكريبال, بغاز الأعصاب وإتهام الأخيرة روسيا بتسميمه ، حيث صعدت بريطانيا إجراءاتها ضد روسيا، وأعلنت عن طرد 23 دبلوماسياً روسياً ومنحتهم مهلة أسبوع واحد لمغادرة بريطانيا، كما أعلنت رئيسة الوزراء حزمة من الإجراءات الاقتصادية والدبلوماسية، ومنها قرار بإلغاء كل الاتصالات الثنائية رفيعة المستوى مع روسيا، كما أن هناك دول أوروبية أخرى قررت طرد دبلوماسيين روس بالإضافة إلى أمريكا وكندا واستراليا، لزيادة الضغط على روسيا.

وبالمقابل ردت روسيا بطرد الدبلوماسيين البريطانيين . كما أن العلاقات الروسية الأمريكية في توتر, ويبدو أن السبب في ذلك يعود إلى السياسة الروسية والكشف عن أسلحة استراتيجية متطورة تقوم روسيا بإنتاجها ,خاصة صاروخ سارمات العابر للقارات والذي يعمل بالطاقة النووية والقادر على الدوران حول الأرض قبل الوصول إلى هدفه مما يجعل الدرع الأمريكي غير مجدي ,بالإضافة إلى  الغواصات النووية بلا طواقم التي تسمح بضرب قواعد العدو البحرية وسواحله، ومنظومة صواريخ “الخنجر” فوق الصوتية المحمولة جواً،  مما سبب خوفاً لدى الأمريكيين و الغرب و إن نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي الحالي غير مجدي أمام الأسلحة الروسية، ويبدو أن هذا ما دفع الإدارة الأمريكية إلى أن ترفع ميزانية الانفاق العسكري إلى 700 مليار دولار.

إن الموقف الفرنسي المناهض للعملية العسكرية التركية في منطقة عفرين السورية، واتساع الدعوات المناهضة للعملية في أوروبا، كما أن الهجوم الذي هز فرنسا في منطقة تريب قرب مدينة كاركاسون جنوب غرب فرنسا  والذي أسفر عن سقوط 3 قتلى من المدنيين وضابطاً واحداً و16  جريحا. يمكن ربطها بالأوضاع في سوريا وخاصة عفرين، حيث يشكل هذا الحادث وتحديداً في فرنسا رسالة تهديد من أردوغان, فطالما هدد أردوغان أوروبا بالمهاجرين و بداعش الذي يتحكم فيهما بشكل قوي ,وبأن أي تحرك من قبل فرنسا بشأن الانتهاكات التي ارتكبتها والتي مازالت ترتكبها القوات التركية وفصائلها الإرهابية في عفرين ستكون لها عواقب وخيمة عليها، و هي إحدى الرسائل التركية لفرنسا ولأي دولة تحاول التحرك لكشف حقيقة العدوان التركي على عفرين، فهل أصبحت أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية تحت رحمة أردوغان، لمجرد أن تركيا ثاني جيش في حلف الناتو, والذي ظهر فشله في عفرين وأمام مقاتلي وحدات حماية الشعب مع الفارق الكبير في العدة والعتاد.

وبالرغم من أنّ ترامب لم يبدِ أي إشارة لقراره بشأن الانسحاب من الاتفاق النووي، فتهديداته المتكررة واستياؤه الشديد من إيران، وبالتحديد من الاتفاق النووي تشعل المخاوف من تمهيد أميركا لصراع جديد في الشرق الأوسط ، وخاصة بعد التعديلات التي أجراها ترامب وتعيين الصقور في إدارته (مايك بومبيو وزيراً للخارجية , جون بولتون مستشاراً للأمن القومي). أي أن الولايات المتحدة تستعمل انسحابها كورقة ضغط على إيران من أجل الحصول على ضمانات أخرى من إيران وإضافة ملحق للاتفاق النووي لوقف تدخلها في شؤون الدول الإقليمية ووقف برنامجها الصاروخي, أو أن الولايات المتحدة سوف تنسحب من الاتفاق النووي، ويبدو إن زيادة الضغط الأمريكي على إيران جاء نتيجة زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  للمملكة العربية السعودية مقابل صفقات اقتصادية.

ومنذ أن دخل الاتفاق النووي حيز التنفيذ في 16 يناير/كانون الثاني 2016، تعيّن على الإدارة الأميركية أن “تصادق” عليه كل تسعين يوما أمام الكونغرس، إلى أن تؤكد أمام السلطة التشريعية أن طهران تحترم الاتفاق، ويبدو أن التوتر العراقي التركي لم ينته عند بعشيقة، فأنقرة تريد التغلغل أكثر, وتخفي نواياها التوسعية العثمانية في شمال سوريا وشمال العراق, بحجة “تطهير الأرض” من عناصر حزب العمال الكردستاني ، حيث أعلن مئات الموظفين في عدة مدن تابعة لإقليم باشور كردستان ، لا سيما قطاعي الصحة والتعليم، إضرابا عن العمل، في أول حركة من نوعها منذ إعلان حكومة الإقليم نظام “الإدخار الإجباري” في رواتب الموظفين، وهذه الإجراءات هي نتيجة العجز المالي الذي يعاني منه الإقليم منذُ عملية الاستفتاء والتي أثرت على حياة المواطن بشكل كبير.

وإن سياسة أردوغان التي تقوم على تجنيس قوات درع الفرات و جبهة النصرة وأحرار الشام وتنظيم الدولة ممن شاركوا في عملية غصن الزيتون، إنما يهدف إلى تشكيل قوات موالية له  وبشكل مطلق (كجيش انكشاري)وزجهم  في عدوانه على الكرد في شمال سورية وضد حزب العمال الكردستاني في تركيا بالإضافة إلى الاستفادة منهم في الانتخابات المقبلة، حيث قام أردوغان بتعديلات على قانون الانتخابات تمكنه من التحكم بأصوات الناخبين وصناديق الاقتراع وتسهيل عمليات التزوير مما يسمح لحزبه بالحصول على الأغلبية في البرلمان وبالتالي بقائه في رئاسة الدولة حتى عام 2029، على الرغم من معارضة الأحزاب وخاصة حزب الشعوب الديمقراطي وحزب الشعب الجمهوري .

و تنص بعض التعديلات الانتخابية السماح لأفراد قوات الأمن بالدخول إلى مراكز الاقتراع إذا طلب منهم ناخب ذلك كما يمنح المجلس الأعلى للانتخابات سلطة دمج دوائر انتخابية ونقل صناديق الاقتراع من دوائر أخرى كما يمكن تقديم  بطاقات اقتراع لا تحمل أختاماً من لجان الانتخابات المحلية بحجة القضاء على الترهيب الذي يمارسه حزب العمال الكردستاني على الناخبين في جنوب شرق البلاد ذي الغالبية الكردية  ولكن الحقيقة أنه يخشى من حزب الشعوب الديمقراطي وحصوله على أصوات تمكنه من زيادة عدد المقاعد في البرلمان التركي, مما جعل أردوغان يقوم بمحاسبة قادة الحزب بتهم ملفقة حيث إن 3300 من أعضائه اعتقلوا منذ تموز/يوليو 2015  وإن أكثر من 350 من أعضائه اعتقلوا بسبب معارضتهم لعملية “غصن الزيتون” التي بدأتها تركيا في عفرين في 20 كانون الثاني/يناير  وخاصة (صلاح الدين ديمرتاش, فيغين يوكسكداغ)حتى يتمكن من إضعاف الحزب وقاعدته الشعبية التي تتسع يوماً بعد يوم . وتتعامل السلطات التركية بقوة مع من ينتقد عملية عفرين.

بعد دخول الجيش التركي ومرتزقته من الجماعات الإرهابية الى عفرين في 18/3  وتدمير تمثال كاوى الحداد الذي أعاد صور داعش للأذهان وهم يقومون بتدمير التماثيل الأثرية، صرح أردوغان بأنه لن يبقى في عفرين وإن مدينة عفرين سوف يتم تسليمها إلى أصحابها الحقيقيين ، وأنه سوف يتجه إلى منبج  وكوباني وسري كانية و قامشلو حتى الحدود العراقية.

وأردوغان يدرك جيداً إن بقائه في عفرين سوف يستنزف قوة الجيش التركي وإن خسائره ستكون أكبر من تلك التي مُني به منذ عدوانه على عفرين وحتى دخوله رغم وجود تعتيم إعلامي على عدد القتلى الأتراك والخسائر التي مني بها في الآونة الأخيرة ,وخاصة أن تركيا تخشى من حرب الكيريلا في عفرين .لذا فإن أردوغان سوف يستقدم مقاتلي الغوطة إلى عفرين كي يزجهم في حربه ضد الكرد بدلاً من الجيش التركي وكون هؤلاء اكتسبوا الخبرة في حرب الشوارع. كما إن أردوغان سوف يعمل إلى إحداث تغيير ديموغرافي في منطقة عفرين من خلال إسكان عوائل مرتزقته و المهجرين لطمس هوية عفرين الكردية ورفع نسبة العرب فيها ومنع أهالي عفرين من العودة إلى منازلهم ,وخلق عِداء بين المكون الكردي و العربي ,وتتريك المنطقة, كما أنه يسعى لتشكيل إدارة من بعض المرتزقة من الكرد (المجلس الوطني الكردي) ممن يعادون الإدارة الذاتية الديمقراطية ووحدات حماية الشعب ومشروعهم الفيدرالي في شمال سورية, من أجل تنفيذ الأجندة التركية بحيث تصبح عفرين ولاية تركية على غِرار جرابلس و الباب وسوف يتم تعيين والي عثماني على عفرين ويكون المجلس المحلي تحت سيطرته.

كما أن تركيا لن تستطيع شن عدوان على منبج أو على المدن الكردية مالم تتلقَ الضوء الاخضر من الولايات المتحدة الامريكية وهو أمر مستبعد ,قد تدفع تركيا للقيام بعمليات استفزازية بقصف بعض المواقع الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية وتضغط على الولايات المتحدة الأمريكية وتوهمها بأنها ماضية في خطتها نحو منبج وباقي المدن في الشمال السوري بحجة أمنها القومي , وتجنباً لحصول تصادم بين الجيش التركي والقوات الأمريكية قد يتم الوصول إلى اتفاق بينهما. وبذلك تكون مناطق النفوذ قد رسمت بشكل تقريبي لدى الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا ( شرق الفرات والغنية بالثروات + التنف تحت النفوذ الأمريكي، شمال سوريا من جرابلس وحتى إدلب تحت النفوذ التركي , وما تبقى من سورية تحت النفوذ الروسي الإيراني).

ولكن المشهد الحالي وتعنت تركيا وإصرارها على وقف الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية وتقربها من روسيا .لن ترضخ الولايات المتحدة الامريكية للمطالب التركية رغم أنها في حلف الناتو وذلك لأن الرضوخ للمطالب التركية يعني عدم قدرة الولايات المتحدة الامريكية على كبح لجام تركيا مستقبلاً وخاصة التقارب التركي الروسي ,لذا ستبقى الولايات المتحدة الامريكية في شرق الفرات ومنبج وتدعم قوات سوريا الديمقراطية ، كما أن تخلي مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية عن قتال داعش، سيساعد داعش إلى الظهور , ويساعد الميليشيات المدعومة من إيران، لاحتلال مناطق يتخلى عنها المقاتلون الكرد. وهو ما لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل في المنطقة.

أما بالنسبة للتحرك التركي المستقبلي فإن التحرك سوف يكون نحو تل رفعت رغم وجود قوات النظام , وإن هذا التحرك سوف يكون باتفاق روسي تركي , حتى لو لم يكن النظام السوري موافقاً على التدخل التركي ورغم وجود قواته في تل رفعت ,إلا إن روسيا لا يهمها النظام بقدر اهمية تركيا وكسبها إلى صفها وزيادة الشرخ في العلاقات التركية الأمريكية. وذلك لأن روسيا قد حصلت على مبتغاها من سوريا من خلال القواعد العسكرية (طرطوس , حميميم ) والصفقات الاقتصادية طويلة الأمد في النفط والغاز وغيرها وآخرها صفقة روسية سورية لمدة 50عاماً لاستخراج الفوسفات من مناجم في تدمر وبإنتاج سنوي قدره 2.2 مليون طن من قطاع يبلغ احتياطه الجيولوجي 105 ملايين طن, أي إن روسيا وضعت يدها على كامل الفوسفات في مناجم الشرقية و خنيفيس في منطقة تدمر, وبذلك تكون روسيا قد أطلقت يد تركيا في الشمال السوري .

 

المصدر: مركز روجافا للدراسات الأستراتيجية 

image_pdf
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.