موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

الفيس بوك ساحة النضال الافتراضية

871
image_pdf

تحية نضالية كفاحية أخوتي في القضية الفيسبوكية الافتراضية ، أما بعد :

تحيتي كانت معاصرة ولدت في زمن العولمة والحداثة ، أما كلمتي أما بعد فقد وجدت قبل ذلك بكثير وأول من قالها قس بن ساعدة حكيم العرب وفصيحها .

أيها القارئ العزيز ، شاء قدري أن أولد في زمن الثمانينات من القرن الماضي ، زمن كانت في القضية القومية في أوجها ، وحالت الصراع النضالي على أشدها ، كانت سنواتي الأولى على ذكريات سمعتها من أقرباء لي ناضلوا في ساحات الكفاح الواقعية في جنوب لبنان ، وعادوا أما جرحى أو معتقلين ، في تسعينيات القرن الماضي كانت مراهقتي وقراءاتي الأولى ، بدأتها من مجلة المجلة والكفاح العربي والمستقبل والمدار ومجلة العربي ، وطالعت كتباً منها الأسد والصراع على الشرق الأوسط ، تعرفت على شهداء ومناضلين في فلسطين ومنظمات الكفاح المسلح ومن كتاب المخابرات والعالم عرفت الأمير الأحمر أبو علي سلامة ، ومن صفحات جريدة أخرى عرفت يحيى عياش وفتحي الشقاقي ، قرأت عن أبو جهاد وأبو داوود وكمال خير بك من مذكرات عملية ميونخ ، تعرفت على أسماء أخرى من مذكرات جاسوسة أردنية يهودية عملت في سبعينات القرن الماضي في منظمة التحرير .

أما في جامعتي فقد كانت مرحلة دخلت فيها إلى مدرسة انطون سعادة الفكرية والعقائدية وهنا قرأت تاريخ الفداء القومي منذ عشريناته حتى الستينات ، عرفت سعادة وليلة الثامن من تموز وقرأت في كتاب الخالدين أسماء المئات من شهداء القضية السورية القومية الاجتماعية ، وأول الاستشهاديين في الجنوب المحرر ، من حلب والشام ، ومن البقاع ومن بعلبك ومن الهرمل ، ومن كل بقعة واقعية على أرضي السورية الطبيعية .

تعرفت إلى تاريخ العمل النضالي والكفاح في العراق والشام ولبنان وفلسطين ، أسماء لم أعد أذكرها وعمليات ومنظمات وفصائل وآلاف الشهداء والجرحى ، ودماء رسمت تاريخ العز .

أما اليوم وسورية الطبيعية تأن وتنزف مجدداً ، كأن تاريخ الدم لا يفارقها منذ الخلق الأول ومعارك التاريخ الأولى وصراع الأمم على خيراتها ونفطها وقمحها وحضارتها ، فقد تعرفت إلى ساحات نضال جديدة ، وأسماء جديدة ، لكن دون قطرة دم واحدة .

موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك ، كانت تجربتي الأولى فيه عام 2008 ، ومن خلالها مضيت في التعارف والتواصل واكتسبت خبرة ومعرفة لا وأصبح أسمي معروفا ً في أصقاع المعمورة ، لأنه كما يقال قلمي له نكهة مميزة وروحي المرحة لها وقعها الخاص في نفوس الآخرين ، وللصراحة دور مميزة ، ولكن .

ولكن لم أستطع أن أبتعد عن الجدية والالتزام في طرحي وتواصلي ، لأني أمثل قضية أمة حية لا تموت ، هي القضية السورية الاجتماعية ، هذا قدري وقد آمنت فيه ، وبالعودة للفكرة الأساسية في طرحي ، فقد هجرت هذا العالم الافتراضي منذ أشهر .

أمضيت الثلاثة أعوام الأخيرة وأنا أقنع نفسي أني مناضل فيسبوكي أوصل صوت الحق والخير والجمال وأنقل حقيقة ما يجري في الواقع إلى العالم الافتراضي ، لكن هيهات ، فقد اكتشفت أن الكثيرين أصبحوا مناضلين افتراضيين وانعزلوا عن واقعهم الحقيقي .

نعم ، انعزلوا عن واقعهم الحقيقي بكل ما تعنيه الكلمة ، وراحوا يصدقون كل ما يقال ، وكل ما يشفي صدورهم من وقائع ، وراحوا يخطون الانتصارات الافتراضية ، كما يحلوا لهم ، لأن الواقع لا يناسبهم ولا يناسب أفكارهم وطموحاتهم ولا اعتقاداتهم .

أي مصيبة هذه ، أن نصل لمرحلة نكذب الواقع ونصدق الافتراضي ، لدرجة أن بعض الأصدقاء يصدقون الفيس بوك في خبر ما ويكذبوني شخصيا ً وأنا ابن الحدث وشاهدته بأم العين ، للأسف ، بتنا كما حال المراهق في أحلام اليقظة الوهمية ، يفترض ما يحب ويحيا كما يحب ليستطيع إكمال حياته التعيسة .

وهل تنتصر الأمة بالكلام الافتراضي ، وهل يفيد أن تتحدث وتناقش الآخرين وبالنهاية كله كلام في كلام في كلام ، وفي الواقع لا تفعل شيئاً والطامة الكبرى أن أغلب المنظرين هم خارج رقعة الصراع الواقعي ، أي أنهم أما مهاجرين سابقين أو حديثين في الغربة ، لا همهم سوى الكلام والنقاش والتنظير ، وأخوتهم يموتون ألف مرة في اليوم ويحترقون بجحيم الحياة .

هل هذا ما أراده الغرب ، أن يصنع لنا عالماً افتراضياً نتقاتل فيه ، ونضيع ساعات حياتنا اليومية في الكلام والشتائم وصناعة النصر الوهمي ، كما يحدث أن تلعب بفريق وطنك السيئ الحالة في لعبة البلاي ستيشن وتفرح حين تربح المباراة ، وتقنع نفسك أنك حققت شيئاً وفي الواقع فريقك لن يكسب مباراة ودية .

نحن نفترض ونتصارع ونتقاتل وهم في الواقع يخططون ويفعلون ويعرفون ما يريدون ، إلى متى ، وكيف نقنع أبناء الوطن أن الوهم يقتلهم ، والوطن ينتظرهم في الحقيقة ، ليبنوه وأن الوطن ينتصر بهم واقعيا ً لا افتراضياً ، وأخشى ما أخشاه أن نصبح مواطنين افتراضيين تنتهي حياتنا الكفاحية والنضالية بعملية قرصنة لحساب الفيس بوك .

وأخشى ما أخشاه أن يغدوا لدينا نازحين ومهاجرين افتراضيين أيضاً ، وكأن الغرب يضعنا في مستعمرات يصنعها افتراضياً ، لنضيع وقتنا فيها تنظيراً شتماً قدحاً ذمناً هذياناً .

أفيقوا أيها الناس من وهمكم أن الأرض تحتاجكم أن التراب يناديكم ، أن الحق يصرخ فيكم يناشد ضمائركم ، وجدانكم ، ناموسكم ، أن الحياة الواقعية تنتظر خطواتكم على الأرض .

الكاتب : محمد ع.ع – المصدر : موقع صوت العقل – نشرت لأول مرة عام 2014

جميع الحقوق محفوظة@المكتب الإعلامي – الجبهة الثورية في الشرق الأوسط 

image_pdf
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.